Sharḥ Tafsīr Ibn Kathīr
شرح تفسير ابن كثير
•
Regions
•Saudi Arabia
بيان معنى حديث: (كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه)
وقوله: (كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه).
لاشك أنه يكون في ترك الأمور الواجبة كالصلاة، وفعْل الأمور المحرمة، فالأمور الواجبة يجب على الإنسان أن يلتزم بها والمحرمة يجب أن يبتعد عنها، فإذا أمر غيره بالأمور الواجبة ولم يمتثل صار مذمومًا، وإذا نهى غيره عن المنهيات ولم ينته صار مذمومًا، وأما النوافل فأمرها سهل إذا أمر بها ولم يأتها.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ورد في بعض الآثار: أنه يغفر للجاهل سبعين مرة حتى يغفر للعالم مرة واحدة، ليس من يعلم.
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر:٩]، وروى ابن عساكر في ترجمة الوليد بن عقبة عن النبي ﷺ قال: (إن أناسا من أهل الجنة يطلعون على أناس من أهل النار فيقولون: بم دخلتم النار؟ فوالله ما دخلنا الجنة إلا بما تعلمنا منكم، فيقولون: إنا كنا نقول ولا نفعل)، ورواه ابن جرير الطبري عن أحمد بن يحيى الخباز الرملي عن زهير بن عباد الرواسي عن أبي بكر الزاهري عبد الله بن حكيم عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن الوليد بن عقبة فذكره.
وقال الضحاك عن ابن عباس: أنه جاءه رجل فقال: يا ابن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، قال: أبلغت ذلك؟ قال: أرجو، قال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله فافعل، قال: وما هن؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤]، أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثاني؟ قال: قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]، أحكمت هذه؟ قال: لا، قال: فالحرف الثالث؟ قال: قول العبد الصالح شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ﴾ [هود:٨٨]، أحكمت هذه الآية؟ قال: لا، قال: فابدأ بنفسك.
رواه ابن مردويه في تفسيره.
وقال الطبراني: حدثنا عبدان بن أحمد حدثنا زيد بن الحارث حدثنا عبد الله بن خراش عن العوام بن حوشب عن المسيب بن رافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: (من دعا الناس إلى قول أو عمل ولم يعمل هو به لم يزل في ظل سخط الله حتى يكف أو يعمل ما قال أو دعا إليه)، إسناده فيه ضعف].
العوام ضعيف.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقال إبراهيم النخعي: إني لأكره القصص لثلاث آيات: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:٤٤]، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف:٢ - ٣]، وقوله إخبارًا عن شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود:٨٨]].
وإبراهيم النخعي من التابعين، وهو من أهل الكوفة.
وفي نسخة أخرى قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وما أحسن ما قال سلم بن عمرو: ما أقبح التزهيد من واعظٍ يزهِّد الناس ولا يزهدُ لو كان في تزهيده صادقًا أضحى وأمسى بيته المسجد إن رفض الناس فما باله يستمنح الناس ويسترفد والرزق مقسوم على من ترى يسعى له الأبيض والأسود وقال بعضهم: جلس أبو عثمان الحيري الزاهد على مجلس التذكير فأطال السكوت، ثم أنشأ يقول: وغير تقي يأمر الناس بالتقى طبيب يداوي والطبيب مريض قال: فضج الناس بالبكاء.
وقال أبو العتاهية الشاعر: وصفت التقى حتى كأنك ذو تقى وريح الخطايا من ثيابك تسطع وقال أبو الأسود الدؤلي: لا تنه عن خلق وتأت مثله عار عليك إذا فعلت عظيم فابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى بالقول منك وينفع التعليم وذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة عبد الواحد بن زيد البصري العابد الواعظ قال: دعوت الله أن يريني رفيقي في الجنة، فقيل له في المنام: هي امرأة في الكوفة يقال لها: ميمونة السوداء، فقصدت الكوفة لأراها فقيل لي: هي ترعى غنمًا في وادٍ هناك، فجئت إليها فإذا هي قائمة تصلي والغنم ترعى حولها وبينهن الذئاب لا ينفرن منهن، ولا يسطو الذئاب عليهن، فلما سلمت قالت: يا ابن زيد ليس الموعد هنا إنما الموعد ثمَّ، فسألتها عن شأن الذئاب والغنم، فقالت: إني أصلحت ما بيني وبين سيدي فأصلح ما بين الذئاب والغنم].
المراد (بسيدي) الله ﷾.
[فقلت لها: عظيني فقالت: يا عجبًا من واعظ يوعظ، ثم قالت: يا ابن زيد! إنك إن وضعتَ موازين القسط على جوارحك لخبرتك بمفهوم مكنون ما فيها، يا ابن زيد! إنه بلغني: ما من عبد أعطي من الدنيا شيئًا فابتغى إليه إلا سلبه الله حب الخلوة، وبدله بعد القرب البعد، وبعد الأنس الوحشة، ثم أنشأت تقول: يا واعظًا قام باحتساب يزجر قومًا عن الذنوب تنهى ولما تستقيم حقًا هذا من المنكر العجيب تنهى عن الغي والتمادي وأنت في النهي كالمريب لو كنت أصلحت قبل هذا عيبك أو تبت من قريب كان لما قلت يا حبيب موضع صدق من القلوب القصة فيها نكارة من جهة أنه ذهب إليها وهي ترعى في الغنم، وهذه خلوة في البر].
31 / 5