185
أقوال أهل العلم في قوله تعالى: (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بعوضة)
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قلت: العبارة الأولى عن قتادة فيها إشعار أن هذه الآية مكية وليست كذلك، وعبارة رواية سعيد عن قتادة أقرب والله أعلم.
وروى ابن جرير عن مجاهد نحو هذا الثاني عن قتادة.
وقال ابن أبي حاتم: روي عن الحسن وإسماعيل بن أبي خالد نحو قول السدي وقتادة.
وقال أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس في هذه الآية قال: هذا مثل ضربه الله للدنيا أن البعوضة تحيا ما جاعت فإذا سمنت ماتت، وكذلك مثل هؤلاء القوم الذين ضرب لهم هذا المثل في القرآن إذا امتلئوا من الدنيا ريًا أخذهم الله عند ذلك، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٤٤] هكذا رواه ابن جرير ورواه ابن أبي حاتم من حديث أبي جعفر عن الربيع بن أنس عن أبي العالية بنحوه، فالله أعلم.
فهذا اختلافهم في سبب النزول، وقد اختار ابن جرير ما حكاه السدي؛ لأنه أمس بالسورة، وهو مناسب، ومعنى الآية: أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي، أي: لا يستنكف، وقيل: لا يخشى أن يضرب مثلًا ما].
مثلًا ما يعني: أي مثل، وما: نكرة ويحتمل أنها وصف لمثل.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقيل: لا يخشى أن يضرب مثلًا ما، أي: أي مثل كان بأي شيء كان صغيرًا كان أو كبيرًا، و(ما): هاهنا للتقليل وتكون ﴿بَعُوضَةً﴾ [البقرة:٢٦] منصوبة على البدل، كما تقول: لأضربن ضربًا ما، فيصدق بأدنى شيء، أو تكون (ما) نكرة موصوفة ببعوضة، واختار ابن جرير أن (ما) موصولة، و﴿بَعُوضَةً﴾ معربة بإعرابها].
وهذا الذي اختاره ابن جرير مرجوح، فليست بموصولة، والصواب أنها نكرة، فلو قلت: إن الله لا يستحي أن يضرب مثلًا الذي بعوضة، فلا يستقيم الكلام، فقوله: (مثلًا ما بعوضة) الصحيح فيه أن بعوضة بدل من (ما) أو وصف لـ (ما).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: وذلك سائغ في كلام العرب أنهم يعربون صلة (ما) و(من) بإعرابهما؛ لأنهما يكونان معرفة تارة، ونكرة أخرى، كما قال حسان بن ثابت: يكفى بنا فضلًا على من غيرنا حب النبي محمد إيانا].
الشاهد: أنه جعل غيرنا صلة لمن.
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قال: ويجوز أن تكون ﴿بَعُوضَةً﴾ منصوبة بحذف الجار، وتقدير الكلام: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما بين بعوضة إلى ما فوقها، وهذا الذي اختاره الكسائي والفراء.
وقرأ الضحاك وإبراهيم بن عبلة: بعوضة بالرفع، قال ابن جني: وتكون صلة لـ (ما) وحذف العائد، كما في قوله: ﴿تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ﴾ [الأنعام:١٥٤] أي: على الذي هو أحسن وحكى سيبويه: ما أنا بالذي قائل لك شيئًا].
ابن جني هذا نحوي معروف له كتاب الخصائص.
وقد أطال الحافظ ابن كثير ﵀ في الإعراب إطالة ليس لها لزوم.

24 / 6