284
شرح حديث اغتسال رسول الله من الفرق للجنابة
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب مقدار الماء الذي يجزئ به الغسل.
حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة ﵂: (أن رسول الله ﷺ كان يغتسل من إناء واحد هو الفرق من الجنابة).
قال أبو داود: قال معمر عن الزهري في هذا الحديث، قالت: (كنت أغتسل أنا ورسول الله ﷺ من إناء واحد، فيه قدر الفرق).
قال أبو داود: وروى ابن عيينة نحو حديث مالك.
قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الفرق ستة عشر رطلًا، وسمعته يقول: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث.
قال: فمن قال: ثمانية أرطال؟ قال: ليس ذلك بمحفوظ.
قال: وسمعت أحمد يقول: من أعطى في صدقة الفطر برطلنا هذا خمسة أرطال وثلثًا فقد أوفى.
قيل: الصيحاني ثقيل؟ قال: الصيحاني أطيب.
قال: لا أدري].
هذ الترجمة في بيان مقدار الماء الذي يجزئ في الغسل، وذكر فيه حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يغتسل من إناء هو الفرق، والفرق مكيال مقدار ثلاثة آصع، هذا أصح ما قيل فيه.
وفي رواية الزهري قالت عائشة: (كنت أغتسل أنا ورسول الله من إناء واحد فيه قدر الفرق) يعني: -مقدار الآصع- وفي اللفظ الآخر: (تختلف أيدينا)، وفي اللفظ الآخر: (حتى أقول: دع لي، ويقول: دعي لي) وفيه دليل على جواز اغتسال الرجل وزوجته من إناء واحد، وأنه لا بأس أن ينظر الرجل إلى عورة امرأته وتنظر إلى عورته؛ لأنها حل له وهو حل لها، وأما حديث: (ما رأيت منه ولا رأى مني) يعني: العورة فهو حديث ضعيف لا يقاوم الأحاديث الصحيحة.
وفي هذا الحديث أن أبا داود سأل الإمام أحمد ﵀ عن الفرق؟ فقال: ستة عشر رطلًا، وهو ثلاثة آصع، بصاع النبي ﷺ؛ لأن الصاع خمسة أرطال وثلث؛ ولهذا قال أبو داود: سمعت أحمد يقول: صاع ابن أبي ذئب خمسة أرطال وثلث، فيكون الفرق ستة عشر رطلًا، وهو ثلاثة آصع، فسأل أبو داود الإمام أحمد عمن قال: ثمانية أرطال؟ فقال: ليس ذلك بمحفوظ، وهذا هو ما ذهب إليه الأحناف، فقد ذهبوا إلى أن الصاع ثمانية أرطال، ولم ير هذا أحمد وقال: ليس ذلك بمحفوظ.
قال أبو داود: وسمعت أحمد يقول: من أعطى في صدقة الفطر برطلنا هذا خمسة أرطال وثلثًا فقد أوفى، يعني: أن الصاع في الماء وفي صدقة الفطر خمسة أرطال وثلث.
وقوله: الصيحاني ثقيل، الصيحاني تمر معروف في المدينة.
وقوله: الصيحاني أطيب.
قال: لا أدري.
هذه اللفظة فيها اختلاف، والأصل أن الصاع أربعة أمدد، والمد ملء كفي الرجل المتوسط، والصاع أربع حفنات كل حفنة ملء كفي الرجل المتوسط الذي ليست يداه كبيرتين ولا صغيرتين، وهذا هو صاع النبي ﷺ.
وأبو حنيفة ذهب إلى أن الصاع ثمانية أرطال، وكان أبو يوسف الصاحب الأول يذهب إلى قول أبي حنيفة، ثم بعد أن ذهب إلى الحجاز وأروه الصاع النبوي ذهب إلى أن الصاع خمسة أرطال وثلث، وترك قول أبي حنيفة، وقد روى البيهقي عن الحسين بن الوليد القرشي قال: قدم علينا أبو يوسف من الحج، فقال: إني أريد أن أفتح لكم بابًا من العلم أهمني، ففحصت عنه فقدمت المدينة فسألتهم عن الصاع، فقالوا: صاعنا هذا صاع رسول الله ﷺ، فقلت لهم: ما حجتكم في ذلك؟ قالوا: نأتيك بالحجة غدًا، فلما أصبحت أتاني نحو خمسين شيخًا من أبناء المهاجرين والأنصار مع كل رجل منهم الصاع تحت ردائه، كل رجل منهم يخبر عن أبيه وأهل بيته أن هذا صاع رسول الله ﷺ، وكلها سواء، خمسة أرطال وثلث، فرأيت أمرًا قويًا فتركت قول أبي حنيفة في الصاع، وأخذت بقول أهل المدينة.
والمراد هنا بيان أن النبي ﷺ كان يغتسل في الغالب بالصاع، ويتوضأ بالمد، وربما توضأ بثلثي المد، وربما اغتسل بأقل من الصاع، وكان يغتسل هو وزوجته بثلاث آصع في الغالب، وقد يزيد يسيرًا، وليس المراد التحديد، وقد ذكر الشارح كلامًا جيدًا في هذا، قال: واعلم أنه ليس الغسل بالصاع أو الفرق للتحديد والتقدير، بل كان رسول الله ﷺ ربما اقتصر على الصاع، وربما زاد عليه، والقدر المجزئ من الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر سواء كان صاعًا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلًا، أو إلى مقدار في الزيادة يدخل فاعله في حد الإسراف.
إذًا: ليس هناك تحديد، لكن النبي ﷺ كان يغتسل بالصاع، فإذا اغتسل الإنسان بالصاع أو أكثر فلا حرج، أو أقل فلا حرج، المهم أن يعمم البدن على الوجه المعتاد وعلى الوجه المعتبر، فإذا عمم بدنه بالماء سواء كان صاعًا أو أقل أو أكثر فلا حرج ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلًا، فلو أتى بمد أو بنص مد واغتسل به فهذا لا يصل إلى حد يسمى صاحبه مغتسلًا، بل هذا مسح، وليس المقصود أن يمسح بدنه، بل المقصود أن يغسل بدنه ويعمه بالماء.
وهذا الحديث أخرجه الشيخان وله ألفاظ.

16 / 3