249

Sharḥ Ṣaḥīḥ al-Bukhārī

شرح صحيح البخاري

باب ما جاء في قاتل النفس
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد.
قال البخاري ﵀: [باب ما جاء في قاتل النفس].
أي: ما جاء في شأن قاتل النفس، وقاتل النفس إما أن يكون قتل غيره أو نفسه.
ولم يجزم البخاري ﵀ فيه بحكم؛ لأن ابن عباس من الصحابة كان يرى أن قاتل النفس مخلد في جهنم، وخالف بذلك جمهور الصحابة، ودليله: أن الله ﷿ قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:٩٣] وليس في القرآن وعيد كهذا الوعيد، فقد جمع بين كل أنواع الوعيد، فقال: «وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا»، هذا الجزاء الأول، والثاني «وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ»، ثم «وَلَعَنَهُ»، فجمع له بين الغضب واللعن، ثم «وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا»، وهذا لبيان شدة إثم هذا الفعل، وهو قتل النفس، وأول جريمة قتل وقعت على ظهر الأرض ارتكبها أحد ابني آدم، كما قال ﷿ في سورة المائدة: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ﴾ [المائدة:٢٧] فهذه أو جريمة قتل وقعت على الأرض، وفي حديث البخاري قال ﷺ: (لا تُقتل نفس ظلمًا) يعني: أي نفس تُقتل بظلم على الأرض، (إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها؛ لأنه أول من سن القتل).
فكل نفس تُقتل مظلومة في ميزان ابن آدم، فهو يحمل وزر قتلها على اعتبار أنه ابتدع بدعة سيئة، وكل أوزار المتبرجات في مصر في كفة قاسم أمين الذي أراد أن يحرر المرأة من الحجاب والحشمة إلى العري والخلاعة، فهذا في ميزانه إن شاء الله إلى يوم القيامة؛ لأن المرأة في مصر كانت إلى عهد قبل الثورة ترتدي النقاب إلى أن جاء قاسم أمين والثورة فحررت المرأة بزعمهم، وكان التحرر هو أن تكشف عن محاسنها، وسمي ذلك بتحرير المرأة المسلمة، وكان ميدان التحرير يسمى ميدان الإسماعيلية، ثم سُمي بميدان التحرير؛ لأن فيه تحررت المرأة، ولا أدري من أي شيء حررت.
نسأل الله العافية.
ثم أورد البخاري الحديث الأول: [من طريق ثابت بن الضحاك ﵁ عن النبي ﷺ قال: (من حلف بملة غير الإسلام كاذبًا متعمدًا فهو كما قال، ومن قتل نفسه بحديدة عُذِّب بها في نار جهنم)].
ومن صنيع البخاري ﵀ أن يأتي بالحديث في أكثر من باب، والذي يهمنا هنا هو المقطع الأخير؛ لأن له علاقة بالتبويب، وسنعود إلى المقطع الأول في كتب أخرى.
تنازع قوم في البخاري ومسلم لدي وقالوا أي ذين تقدم فقلت لقد فاق البخاري صحة كما قد فاق في حسن الصياغة مسلم والمعنى: أن البخاري في الصحة أعلا من مسلم، وأما في التبويب فـ مسلم لا يأتي بالحديث إلا في موضع واحد، والبخاري يأتي به في أكثر من موضع، لعلة في السند أو في المتن، أي: أن البخاري لا يكرر الأحاديث عبثًا، وإنما يكررها لعلة في سنده أو في متنه، فإن أعاده بنفس المتن فانظر إلى السند، فستجد خلافًا في سند الرجال.

15 / 2