277

Sharḥ Riyāḍ al-Ṣāliḥīn

شرح رياض الصالحين

حق الله على العباد
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
أما بعد: قال النووي رحمه الله تعالى: [عن معاذ بن جبل ﵁ قال: (كنت ردف النبي ﷺ على حمار فقال: يا معاذ! هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟ قال: قلت: الله ورسوله أعلم، قال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا، قال: فقلت: يا رسول الله! أفلا أبشر الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلوا) متفق عليه.
وعن البراء بن عازب ﵄، عن النبي ﷺ قال: (المسلم إذا سئل في القبر يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم:٢٧]) متفق عليه.
وعن أنس ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: (إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله تعالى يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقا في الدنيا على طاعته)].
هذه أحاديث أخر يذكرها الإمام النووي ﵀ في رياض الصالحين في باب الرجاء، وما جاء عن النبي ﷺ في ذلك من أحاديث منها ما قدمناه في الدرس السابق، ومنها هنا حديث لـ معاذ بن جبل وقدمنا معناه أيضًا في الحديث السابق بأنه كان رديف النبي ﷺ على ناقته، وهنا ذكر أنه كان رديفه على حماره.
فقال النبي ﷺ: (يا معاذ! هل تدري ما حق الله على عباده وما حق العباد على الله؟).
ومعاذ يتأدب مع النبي ﷺ، فهو قد يعلم أن الله ﷿ فرض على العباد عبادات يفعلونها، ولكن لعل النبي ﷺ يقصد شيئًا آخر، فلذلك كان الجواب منه للنبي ﷺ: (الله ورسوله أعلم) حتى يتعلم من النبي صلوات الله وسلامه عليه.
قال: (فقال: فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا).
وهنا الحق واضح في كلمة قالها النبي ﷺ، ولكنها كلمة عظيمة واسعة لابد للمؤمن أن يعرف هذا المعنى الذي تحت هذه العبادة، يعبد الله سبحانه ﵎، ويذلل نفسه لربه سبحانه، ويطوع نفسه وقلبه وبدنه لله سبحانه ﵎، فهو عابد لله.
وعابد: من العبادة، ويقال: هذا طريق معبد، أي: مذلل مسهل للمشي عليه، فهنا العبد يعبد ربه سبحانه، ويذلل نفسه لربه سبحانه ﵎، ويطوع نفسه لكل ما يريده الله سبحانه، فإذا أمره استجاب، وإذا نهاه امتنع، فهو قد عرف مقامه أنه عبد، وأن الله مولاه، وربه، وخالقه، وعرف مقام ربه سبحانه ﵎ فخاف من الله فأدى ما فرض الله ﷿ عليه من حقوق، وواجبات، وامتنع عما نهاه الله ﷿ عنه من المحرمات.
فهنا حق العباد على الله أن يطيعوا الله سبحانه فيأتمروا بأمره، وينتهوا عما نهى سبحانه ﵎.
قال: (فإن حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا)، وهذا قيد لهذه العبادة، فكم من إنسان يعبد الله ويعبد غيره معه، فهو مشرك بالله شركًا أكبر، فيعبد إلهًا مع الله ويدعي لله الولد والصاحبة، فيعبد غير الله مع الله سبحانه ﵎، أو يكون على شرك أصغر فإذا به ينسب ما الفضل فيه لله ﷿ إلى غير الله سبحانه ﵎، أو أنه يكون على شرك خفي، فإذا به يعمل العمل وينتظر من الناس أن يكافئوه أو يمدحوه عليه.
فالمؤمن يعبد الله ولا يشرك به شركًا أكبر ولا أصغر ولا شركًا خفيًا، فالعبادة لا بد أن يكون فيها إخلاص وتوجه لله ﷿ وحده، ولا بد أن تكون المتابعة فيها للنبي ﷺ وأن يستن بسنته، ويفعل ما جاء به، ولا يخترع، ولا يشرع مع الله سبحانه ﵎ لنفسه ولا لغيره.

28 / 3