273

Sharḥ Riyāḍ al-Ṣāliḥīn

شرح رياض الصالحين

شرح حديث (فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة)
ومن الأحاديث: حديث أبي هريرة ﵁ قال: (كنا قعودًا مع رسول الله ﷺ معنا أبو بكر وعمر ﵄ في نفر، فقام رسول الله ﷺ من بين أظهرنا فأبطأ علينا، فخشينا أن يقتطع دوننا فتبعناه فقمنا، فكنت أول من تبعه، فخرجت أبتغي رسول الله ﷺ حتى أتيت حائطًا للأنصار).
فجأة قام وتركهم لحاجة من حوائجه ﷺ، فلما تأخر فزعوا وتهامسوا: أين ذهب النبي ﷺ؟! فبحثوا عنه، وكان أول من خرج للبحث عنه أبو هريرة رضي الله ﵎ عنه.
قال: (حتى أتيت حائطًا للأنصار)، كأنه ظن أن يكون فيه النبي ﷺ، فبحث عن باب لهذا الحائط فلم يجد، ولعله من شدة فزعه واندهاشه من غياب النبي ﷺ لم ير باب الحائط، فوجد جدولًا صغيرًا فدخل منه حتى وجد النبي ﷺ بالداخل.
(فلما دخل على النبي ﷺ، قال له النبي ﷺ وأعطاه نعليه: اذهب فمن لقيت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه فبشره بالجنة).
كأنه دخل إلى هذا المكان فنزل عليه الوحي بذلك صلوات الله وسلامه عليه، فكأن النبي ﷺ علم أن الناس سيقولون: من أين أتيت بهذا الكلام، نحن لم نجد النبي ﷺ؟ فأعطاه النعلين أمارة وعلامة على أن النبي ﷺ هو الذي أمره بذلك وفعلًا خرج فكان أول من لقيه عمر رضي الله ﵎ عنه، فقال له: إلى أين يا أبا هريرة؟ فقال: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أبشر من وجدت وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله مستيقنًا بها قلبه بالجنة.
فإذا بـ عمر يخاف من اتكال الناس، فيأمر أبا هريرة بالرجوع، فوكزه حتى أوقعه رضي الله ﵎ عنهما، وقال: ارجع إلى رسول الله ﷺ ولا تفعل! يا ترى! هل عمر لا يريد قول النبي ﷺ أن يبلغ للناس؟! هنا ذهب أبو هريرة إلى لنبي ﷺ يبكي، ووراءه عمر رضي الله تعالى عنه، فسأله النبي ﷺ لم فعلت ذلك؟! فكان جواب عمر قال: (يا رسول الله! إذًا يتكلوا)، فهي نفس الكلمة التي قالها النبي ﷺ لـ معاذ رضي الله تعالى عنه: (إذًا يتكلوا)؛ لأن الناس لو علموا ذلك من غير أن يفهموا المعنى لاتكلوا على اللفظ، فأنا أقول لا إله إلا الله وأعمل الذي أريد، وسأدخل الجنة، فالأمر ليس كذلك.
لقد ذكر الله عذاب أهل النار من الكفار والموحدين الذين يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله ﷺ، وأنهم توزن أعمالهم يوم القيامة، فمن رجحت سيئاته على حسناته أدخله الله ﷿ النار.
إذًا: هناك نار لعصاة الموحدين يدخلونها يوم القيامة، فلو سمعوا أنهم سيدخلون الجنة ولا يوجد نار لقالوا: نحن كلنا سندخل الجنة، فلا يفهمون ذلك، وقد قال النبي ﷺ: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة أصابه قبل ذلك ما أصابه)، يعني: قد يدخل النار فيمكث فيها دهورًا كثيرة، ويعذب فيها على معاصيه وذنوبه، وبعد ذلك تدركه رحمة رب العالمين سبحانه، فيخرجهم من النار إلى الجنة.
فكأن هذه الكلمة العظيمة تنفع صاحبها يومًا من الدهر، أصابه قبل ذلك ما أصابه، وقد يدخل النار، وقد يتغمده الله برحمته فلا يدخله النار ويدخله الجنة، وقد يصاب قبل ذلك وهو في الموقف فيعذب ما شاء الله ﷿ أن يعذب مثل مانعي الزكاة، حيث يعذبون في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فصاحب الإبل يطرح في قاع قرقر، وتمر عليه الإبل في أسمن ما كانت وأوفر ما كانت، فتطؤه بأخفافها، وتعضه بأسنانها، فهذا عذاب مانعي الزكاة في هذا اليوم، ومانع الزكاة مسلم يقول لا إله إلا الله، قال النبي ﷺ: (حتى يرى سبيله إلى الجنة أو إلى النار).
إذًا: لا يغتر الإنسان عندما يقول: لا إله إلا الله، فلا بد أن يقول: لا إله إلا الله مستيقنًا بها قلبه، تدفعه للعمل، فتنفعه هذه الكلمة.

27 / 10