246

Sharḥ Riyāḍ al-Ṣāliḥīn

شرح رياض الصالحين

تخويف الله لعباده بما وقع لعاد قوم هود
وكذلك عاد قوم هود على نبينا وعليه الصلاة والسلام، كان يدعوهم إلى ربهم سبحانه وقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ * وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ * وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء:١٢٨ - ١٣٠]، فالله يرينا جرم هؤلاء، وكيف أنهم قساة القلوب، وكانوا يبطشون بالناس، وقد قال الله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢]، فالإنسان عندما يبطش يتكبر، فاحذر من غضب الله إذا بطش بهذا الإنسان، فيتركه الله وهو أعلم من الظالم ومن المظلوم، يترك الظالم حتى يظهر ظلمه جليًا أمام الخلق جميعهم، وحتى يضج الناس من ظلم هؤلاء السفهاء.
قال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء:١٢٨]، أي: تجعلون في كل أرض وفي كل بلد علامة من العلامات وبناء عاليًا لا تحتاجون إليه، بل للعبث واللهو والتفاخر فيما بينكم! ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء:١٢٩]، أي: تتخذون قصورًا أو مشارب للماء تتوهمون أنكم تخلدون في هذه الأشياء.
﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ [الشعراء:١٣٠ - ١٣١]، فأبوا وقالوا لهذا النبي الكريم ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ * إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء:١٣٦ - ١٣٧]، وجاء عذاب الله ﷿ بهؤلاء فأهلكهم سبحانه ﵎ فجعلهم ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر:٢٠].
﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ [البروج:١٢]، هذا بطش الله سبحانه ﵎، استهواهم الشيطان فجعلهم عبادًا له من دون الله سبحانه، فجاءهم من عند ربهم العذاب والإهلاك، كان الواحد منهم تأتي الريح فتقلعه من الأرض وترفعه إلى السماء ثم تسقطه على رأسه فيقع وينشدخ رأسه ويبين من جسده فصاروا كأعجاز النخل الخاوية، فكيف كان عذاب الله ونذر الله ﷾؟ ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر:١٦].
هذا انتقام رب العالمين سبحانه أرانا ذلك، وفي آخر الآيات قال ﷾: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ [هود:١٠٢]، كهذا الأخذ العظيم الذي رأيتم نأخذ كل من طغى وبغى، وكل من استكبر عن عبادة الله ﷾ وعصى ربه.
﴿أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ [هود:١٠٢]، أي: في حال ظلمها ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:١٠٢]، أخذ مؤلم موجع شديد الألم.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾ [هود:١٠٣]، إذا رأيتم هذا العذاب في الدنيا فكيف يكون عذاب الآخرة؟ ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود:١٠٣]، ولماذا يؤخره ربنا سبحانه ﵎؟ قال: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود:١٠٤]، فلا تستعجلوا، فيوم يأتي هذا الأجل ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود:١٠٥].
لا ينطق إنسان إلا بإذن رب العالمين سبحانه، فمن الناس شقي وسعيد، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ * خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود:١٠٦ - ١٠٧].
وأما أهل السعادة ففي جنة الله ﷿، نسأل الله ﷿ أن يجعلنا من أهل السعادة، فذكر الله الأشقياء وذكر السعداء، والغرض بيان كيف أخذ الله ﷾ المجرمين حين أخذهم، وكيف يحشرون ويكون أمرهم يوم القيامة.
قال سبحانه: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران:٢٨].
احذروا من غضب الله سبحانه، فإن الله يحذركم، وقد أعذر من أنذر، قد أنذر الله ﷿ وخوف من عذابه وعقوبته، فالإنسان الذي يجرم في الدنيا فيوم القيامة لا يلوم إلا نفسه.
وقال سبحانه عن يوم القيامة: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:٣٤ - ٣٧]، والآيات كثيرة في هذا الوعد.

25 / 6