في الظاهر: فلأنه أرسل إليهم محضرًا، ولأنه أمره بالأذان والكافر لا يؤمر بالأذان؛ وأما أنه لم يكن الإيمان مستقرًّا في قلوبهم: فلقوله: "ونحن متنكبون" ولقوله: "نحكيه ونستهزيء به" ولقوله: "ولا شيء أكره إلي من النبي ﷺ ولا مما يأمرني به".
وقوله: "فسمع النبي ﷺ" أي: سمع الصوت الرفيع عند الصراخ، ولم يقف على حالهم في الحكاية والاستهزاء وإلّا لأدبهم وما خلّاهم.
وقوله: "وحبسني" أي: أمرني بالتوقف لأؤذن ثم أمره بالتأذين، وإلقاء الأذان عليه يجوز أن يكون الغرض منه مجرد تعليمه ليقوم بالأذان للصلوات، وفيه دليل على أنه يختار للأذان من هو أرفع صوتًا، ويجوز أن يقال: أمره بالتأذين للصلاة الحاضرة، فقد يشعر به قوله ﷺ: "قم فأذن بالصلاة" وعلى هذا التقدير ففي الحديث دليل علي أنه يحسن الأذان بعد الأذان، إذا كان قد أذن مؤذن رسول الله ﷺ.
وإعطاؤه وإمرار اليد علي مقاديم بدنه والدعاء له كان تلطفًا من النبي ﷺ واستمالة له، فأذهب الله ببركته الكراهية عن قلبه وحبب إليه التأذين حتى استدعى القيام به بمكة.
الأصل
[١٢١] أبنا الربيع، أبنا الشافعي، أبنا إبراهيم بن محمَّد وغيره، عن جعفر بن محمَّد، عن أبيه، عن جابر ﵁ في حجة الإِسلام قال: فراح النبي ﷺ إلى الموقف بعرفة فخطب الناس الخطبة الأولى، ثم أذن بلال ثم أخذ النبي ﷺ في الخطبة الثانية ففرغ من الخطبة وبلال من الأذان، ثم أقام بلال فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر (١).
(١) "المسند" ص (٣٢).