فالأول فيه قصد التفسير مباشرة من الرسول ﷺ، وغالبًا ما تردُ الآية المنصوص على تفسيرها في حديثه ﷺ، لذا لا يدخله الاجتهاد، بل هو نقليٌّ محض يلزم قبوله والأخذُ به.
والثاني يدخله الاجتهاد، فالمفسِّر هو الذي اجتهد في بيان أن هذا الحديث - الذي لم يرد من الرسول ﷺ على سبيل التفسير؛ لأنه لم يذكر آيةً يفسرها - مفسِّر وموضِّح لمعنىً في هذه الآية.
الحال الثالثة: أن يستفاد من سنته في التفسير بأنواع شتى من الاستفادات غير ما ذُكر من السابقات؛ كالاستشهاد بحديثٍ نبويٍّ على صحة تفسير من التفسيرات، أو أن يَرِدَ في الحديث لفظة واردة في القرآن وهي غير بيِّنة في الموضِعين، أو أن يستفاد من الحديث في ترجيح قول على قول، أو غير ذلك من وجوه الاستفادات، وهي كثيرة جدًّا.
١ - فمِنْ ورود اللفظة في الحديث والآية مع عدم وضوحها فيهما؛ ما أورد ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ *عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ﴾ [المعارج: ٣٦، ٣٧]، فقد أورد عن جابر بن سمرة «أن رسول الله ﷺ خرج عليهم وهم حلق، فقال: ما لي أراكم عزين» (١).
فمعنى التَّفَرُّقِ يؤخذ من تعليق الصحابي «وهم حِلَق»، أما قوله ﷺ: «ما لي أراكم عزين» فلا يُبيِّن معنى لفظ عزين.
٢ - ومن ذلك: تفسير قوله تعالى: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ *كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥، ١٦]، قيل: هم القراء من الصحابة، وقيل: هم الملائكة، قال ابن العربي المالكي (ت:٥٤٣): «لقد كان أصحاب محمد سفرة كرامًا بررة، ولكن ليسوا بمرادين بهذه الآية، ولا قاربوا المرادين بها، بل هي لفظة مخصوصة بالملائكة عند الإطلاق، ولا يشاركهم فيها سواهم، ولا يدخل معهم في متناولها غيرهم.
(١) رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي في الكبرى.