Sharḥ al-maqāṣid fī ʿilm al-kalām
شرح المقاصد في علم الكلام
Edition
الأولى
Publication Year
1401 - 1981م
الحضور عند النفس هو الحضور عند الحس وتحقيق المقام أنا إذا أدركنا شيئا فلا خفاء في أنه يحصل لنا حال لم تكن وتكاد تشهد الفطرة بأنها بحصول أمر لم يكن لا بزوال أمر كان وما ذاك إلا تميزا وظهورا لذلك الشيء عند العقل وليس ذلك بوجوده في الخارج إذ كثيرا ما ندرك ما لا وجود له في الخارج من المعدومات بل الممتنعات وكثيرا ما يوجد الشيء في الخارج ولا يدركه العقل مع تشوقه إليه بل بوجوده في العقل بمعنى أن يحصل فيه أثر يناسب ذلك الشيء بحيث لو وجد في الخارج لكان إياه وهذا هو المعنى بحصول الصورة وحضورها وتمثلها وارتسامها ووصول النفس إليها ونحو ذلك ولا يفهم من إدراك الشيء سواه والاعتراض بأن الإدراك صفة المدرك والحصول ونحوه صفة الصورة مما لا يلتفت إليه عند المحققين سواء جعلنا الإدراك مصدرا بمعنى الفاعل أو المفعول وأما الاعتراض بأن ذكر المدرك وما به يدرك في تعريف الإدراك دور فجوابه أن المراد به الشيء الذي يقال له المدرك وما به الإدراك وإن لم تعرف حقيقة هذا الوصف وقد يجاب بأن هذا ليس تعريفا للإدراك بل تعيينا وتلخيصا للمعنى المسمى بالإدراك الواضح عند العقل (قال إما بحقيقته) إشارة إلى ما ذكروا من أن الشيء المدرك إما أن لا يكون خارجا عن ذات المدرك كالنفس وصفاتها وإما أن يكون خارجا وحينئذ فإما أن يكون ماديا أو غير مادي فالأول تكون حقيقته المتمثلة عند المدرك نفس حقيقته الموجودة في الخارج فيكون إدراكه دائما والثاني تكون صورة منتزعة عنه والثالث تكون صورة متحصلة في العقل غير مفتقرة إلى الانتزاع من حقيقة خارجية لكونها صورة لما هو مجرد في نفسه كإدراك المفارقات أو لما تحقق له ولا حقيقة أصلا كإدراك المعدومات واعترض على الأول بوجوه أحدها أنه يقتضي أن يكون إدراك النفس لذاتها وصفاتها دائما لدوام الحضور واللازم باطل لأن كثيرا من الصفات مما لا نطلع على آنيتها وماهيتها إلا بعد النظر والتأمل وإنما الكلام في ماهية النفس ولا يجوز أن يكون هذا ذهولا عن العلم بالعلم لأنه أيضا مما يلزم دوامه سيما وهم يقولون أن علمنا بذاتنا نفس ذاتنا وثانيها أن حصول الشيء للشيء وحضوره عنده يقتضي تغاير الشيئين ضرورة فيمتنع علم الشيء بنفسه وثالثها أن النفس إذا كانت عالمة بذاتها وصفاتها كانت عالمة بعلمها بذلك وهلم جرا لا إلى نهاية فيلزم علوم غير متناهية بالفعل وأجيب عن الأول بمنع مقدمات بطلان اللازم وهو مكابرة وعن الأخيرين بأن التغاير الاعتباري كاف والاعتبارات العقلية تنقطع بانقطاع الاعتبار وحاصله أن ليس هناك إلا شيء واحد هو ذلك المجرد المدرك وهو ليس بغائب عن نفسه فمن حيث يعتبر شاهدا يكون عالما ومن حيث يعتبر مشهودا يكون معلوما ومن حيث يعتبر شهودا يكون علما ومرجعه إلى أن وجود الشيء أعني حصوله وحضوره لا يزيد
Page 225