234
حرمة سب الصحابة
قال: [وقال النبي ﷺ: (لا تسبوا أصحابي، فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه)] هذا الحديث رواه البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد ﵁، وقد ذكر مسلم له قصة وهي: أن خلافًا وقع بين خالد بن الوليد ﵁ وبين عبد الرحمن بن عوف، فتكلم خالد ﵁ في عبد الرحمن وسبه، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: (لا تسبوا أصحابي) يقول هذا ويوجه هذا لـ خالد بن الوليد، وخالد صحابي، لكنه من الذين أسلموا بعد الفتح، أي: بعد صلح الحديبية، فهو ممن تأخر إسلامه، فنهى رسول الله ﷺ أصحابه الذين تأخر إسلامهم أن يسبوا وأن يتكلموا فيمن تقدم إسلامهم كـ عبد الرحمن بن عوف وغيره من الصحابة الذين أسلموا قبل الفتح، فكيف بمن جاء من غير الصحابة من بعدهم؟! فإذا كان الصحابة فيما بينهم يتفاضلون هذا التفاضل ففضل الصحابة -على وجه الإجمال- على من بعدهم كفضل الأولين منهم على المتأخرين.
معنى هذا: أن هذا النهي نهي لكل مسلم عن أن يسب أحدًا من أصحاب النبي ﷺ سواء كان ممن تقدم إسلامه أو ممن تأخر إسلامه؛ لأن نسبة من بعد الصحابة إلى الصحابة كنسبة المتأخرين منهم إلى المتقدمين، وهذا دليل على ما ذكرنا قبل قليل من أنه كلما ازداد وصف الصحبة في شخص فإنه يستحق من الفضل والمكانة والمحبة وسائر ما يلزم من التولي أكثر من غيره، فإن عبد الرحمن بن عوف يستحق من المحبة والتولي والاستغفار والترحم، أكثر ممن جاء بعده كـ خالد بن الوليد، وإن كان الجميع يشتركون في أصل الحق وهو التولي والمحبة والاستغفار والكف عن مساوئهم والكف عما شجر بينهم والاستغفار لهم، وما إلى ذلك مما تقدم ذكره في كلام المؤلف.
فنهى رسول الله ﷺ أهل الإسلام عن سب أصحابه، فكل من كان صاحبًا للنبي ﷺ فإنه لا يجوز سبه، لكن أيهما أعظم وأشد في السب: أن يسب الإنسان أبا بكر ﵁ أو أن يسب وحشيًا ﵁؟
الجواب
أن يسب أبا بكر.
وأيهما أعظم أن يسب عمر أو أن يسب من تأخر إسلامه أو من تأخر إيمانه من الصحابة ﵃؟ الجواب: لا شك أن سب عمر ﵁ أعظم، ولذلك يجب أن يكف المؤمن عن سب كل أهل الإيمان من صحابة رسول الله ﷺ، لكن يشتد الأمر بالمؤاخذة والذنب بقدر ما يكون من الوقيعة فيهم ﵃، فسب معاوية -مثلًا- ممن أسلم بعد فتح مكة، أو عمرو بن العاص ﵁ محرم؛ لكن سب أبي موسى وأبي هريرة أعظم من سبهما، وكذلك سب طلحة والزبير وسعد وسعيد أعظم من سب أبي موسى وأبي هريرة، وكذلك سب أبي بكر وعمر أعظم من سب من دونهم من الصحابة ﵃.
فقوله: (لا تسبوا أصحابي) نهي عن سب الجميع، ويتأكد هذا النهي في حق من عظمت منزلته في الصحبة وطالت صحبته لرسول الله ﷺ.
وقوله ﷺ: (فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهبًا) أي: مثل جبل أحد وهو جبل معروف بالمدينة، يقع في جهة الشمال منها، فلو أنفق غير الصحابي مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم، أي: ما بلغ في الأجر والمثوبة قدر ما ينفق أحد المتقدمين من الصحابة ملء يديه، فالمد هو: ملء اليدين أو نصيفها أي: نصف المد، وهذا يبين أن الفضل فيما يقوم في القلب، وأن السابقة لها فضل عند الله ﷿ كما قال الله جل وعلا: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ [الواقعة:١٠] .
فكل من سبق إلى الفضل فله من المنزلة والمكانة ما ليس لغيره ممن تأخر عن هذا الفضل وعن هذا الخير، فمعنى الحديث: لو أنفق قدر ما تملأ اليدين نفقة في سبيل الله، فإن نفقة الواحد منهم نصف المد خير من أن ينفق غيره مثل جبل أحد ذهبًا.

18 / 6