209
إمامته وقدوته للأنبياء في الموقف
قال: (وهو إمام الأنبياء) أي: مقدمهم الذي يؤمه الأنبياء، ويأتمون به، ويقتدون به؛ لعظيم منزلته ورفيع مكانته، وهو إمامهم في الدنيا وإمامهم في الآخرة، أما إمامته لهم في الدنيا؛ فلأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى بهم وأمهم في بيت المقدس ليلة المعراج، وأما إمامته لهم في الآخرة؛ فأولوا العزم وأصحاب العلو والرفعة والمكانة من الأنبياء يتدافعون الشفاعة حتى تصير إليه ﷺ، وهذا من إمامته لهم ﷺ.
قال: (وخطيبهم) الخطيب هو الذي يتكلم في بيان الحاجة، وقوله: (خطيبهم) أي: خطيب الأنبياء، وقد جاء هذا في جامع الترمذي من حديث أنس بن مالك ﵁ أن النبي ﷺ (أخبر بأنه خطيب الأنبياء إذا وفدوا)، أي: إذا وفدوا على الله ﷿ في أرض المحشر؛ وذلك أنه هو الذي يطلب من الله ﷿ الشفاعة للخلق، ويتأخر عنها كل الأنبياء، ولا يتكلم عندها أحد ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ [طه:١٠٩]، وأولهم رسولنا ﷺ، فهو أول من يكلم الله جل وعلا في المحشر، فهو خطيبهم إذا وفدوا، وشعيب ﵇ خطيب الأنبياء، وقد جاء في وصفه في بعض الآثار: (أنه خطيب الأنبياء)، لكنه خطيبهم في الدنيا، وذلك لجميل بيانه وحسن كلامه في دعوته لقومه ﷺ، أما الخطيب الذي يكون يوم القيامة فهو رسول الله ﷺ.
(وصاحب شفاعتهم) يعني الذي تصير إليه الشفاعة في ذلك الموقف؛ فإن الأنبياء يتدافعونها حتى تصل إليه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
يقول: (أمته خير الأمم)، ولا شك أن هذه الأمة خير الأمم، قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران:١١٠]، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة:١٤٣]، فهاتان الآيتان تدلان على خيرية الأمة في الدنيا، والخيرية في الدنيا تدل على الخيرية في الآخرة.
وأما الخيرية في الآخرة فقد قال النبي ﷺ كما في حديث علي في مسند الإمام أحمد في بيان ما أعطاه الله ﷿ وخصه: (وجعلت أمتي خير الأمم)، فأمة النبي ﷺ خير الأمم، خيريتها في التوحيد والعمل به، والثواب عليه، وفي الشريعة، وخيريتها في الآخرة لتقدمها على الأمم وسبقها لهم إلى كل فضل، فخيرية الأمة لها من الأوجه والجوانب ما يطول تتبعه وذكره.
ثم قال ﵀: (وأصحابه خير أصحاب الأنبياء ﵈، بدأ بهذه الجملة في الكلام عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ونشرح ذلك إن شاء الله تعالى في الدرس القادم، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

15 / 11