Sharḥ kitāb al-tawḥīd li-Ibn Khuzayma
شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة
Genres
•Salafism and Wahhabism
Regions
Egypt
رحمته ﷺ بالمؤمنين
إن رحمة النبي ﷺ بأهل الإيمان بلغت مبلغها، وأروع ما يضرب في ذلك: شفاعة النبي ﷺ لهم، فإنه ترك دعوة مستجابة واختبأها لأمته، ولذلك فهو يقول يوم القيامة: (أمتي أمتي)، يبكي فيأتيه جبريل مبشرًا ويقول: (إن الله يقول: يا محمد! إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك).
ومن شفقة النبي ﷺ بهذه الأمة: أنه كان إذا وجد الأمر الشديد ينزل بهذه الأمة يقول: (أبشروا أنتم ثلث أهل الجنة)، ثم قال: (أبشروا أنتم ثلثي أهل الجنة)، حتى كبر عمر ﵁ وأرضاه، فقال له النبي ﷺ مبشرًا زيادة بأن الله سيحثو حثوات بيده ﷾ فيدخلهم الجنة، فكبر عمر ﵁ وأرضاه، وكبر الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين.
ومن رحمة النبي بأمته: تذلله وتضرعه وخضوعه لله إذ يقول: (أمتي أمتي)، بأبي هو وأمي ﷺ.
وقد ظهرت رحمته بالجاهل قبل المتعلم: فهذا الرجل الذي قام يبول في ناحية المسجد، والمسجد يذكر فيه الله جل في علاه، ويذكر فيه حديث النبي ﷺ، ويصلى فيه لله، ولكن هذا الأعرابي بال أمام الناس في المسجد، كاشفًا عن عورته، فقام الصحابة وأرادوا أن يفتكوا به، فقال النبي ﷺ: (لا تزرموه)، وهذا هو وجه الشاهد في رحمة النبي ﷺ، فهذا الرجل يبول وتنتشر نجاسته في المسجد، ومع ذلك النبي ﷺ يقول: (لا تزرموه)، أي: لا تقطعوا عليه بوله، ثم علمه النبي ﷺ أن هذه المساجد ما بنيت إلا لذكر الله، فقال الرجل بعدما رأى النبي ﷺ لم ينهره: (اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال له النبي ﷺ: لقد حجرت واسعًا).
ومن رحمة النبي ﷺ بهذه الأمة: (أن الأعرابي جاء إلى النبي ﷺ، وأخذ بمجامع ثوبه حتى أثر في صفحة عنق النبي ﷺ وقال: أعطني، ليس من مالك ولا من مال أبيك)، يقول ذلك للنبي ﷺ بكل شدة وجفاء، والنبي ﷺ يبتسم له، ويأمر له بعطاء، فيقول للناس: أنا كالذي يربي الإبل ويعرف كيف يسيرها في معنى قوله ﷺ.
وقد جاءه رجل يريد عطية، فقال النبي ﷺ: (إذا أعطيتك ورضيت فقل: رضيت)، لأنه تكلم مع النبي ﷺ بشدة وبغلظة، وكاد الصحابة أن يفتكوا به، فأعطاه النبي ﷺ وقال: (أرضيت؟ قال: رضيت، قال: إن أصحابي ينظرون إليك نظرة أخرى)، أو كما قال النبي ﷺ، وقال له: (سأقوم في الناس، وأقول لك أرضيت؟ فقل: رضيت)، يعني: حتى لا ينتهره الصحابة رضوان الله عليهم فقال: رضيت، فقام النبي ﷺ فقال للرجل: (أرضيت؟ قال: ما رضيت -أمام الصحابة- ومع ذلك رحمه النبي ﷺ، فأخذه النبي ﷺ وأعطاه مرة ثانية وثالثة وبعد أن أعطاه قال: أرضيت؟ قال: رضيت، قال: إذا قلت لك أمام أصحابي: رضيت تقول رضيت؟ قال: نعم، فقام أصحابه فقال: أعطيت الرجل فرضي، أرضيت؟ فقال: رضيت، فسكت الصحابة عنه).
ومن أروع ما يدل على رحمته: قوله الذي يستحق أن يكتب بماء الذهب: (اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي، وكلما سجد قال: يا رب! أمتي أمتي)، حتى إن الله جل وعلا بعث له من يبشره ويسليه ويقول له: (إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك)، هذه آخر فائدة من هذا الحديث العظيم، وهو حديث الشفاعة، أسأل الله جل في علاه أن يديم علينا هذا الخير.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
32 / 10