Sharḥ kitāb al-tawḥīd li-Ibn Khuzayma
شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة
Genres
•Salafism and Wahhabism
Regions
Egypt
أدلة أهل الحق على عدم كفر أصحاب الكبائر
إن من نزل عن درجة الإيمان إلى درجة الإسلام لا نقول: إنه كافر بحال من الأحوال، وعندنا في ذلك من الأدلة ما يثبت ذلك، فمنها: الحديث المذكور من أحاديث الشفاعة، وهذه الفوائد من هذه الأحاديث في باب الشفاعة، وقد بينا أن الشفاعة ثابتة لأهل الإيمان، وملغاة عن أهل الكفر، والدليل على أن الشفاعة ملغاة عن أهل الكفر: هو مقدمة أولى لنتيجة مهمة، وهي أن العاصي له شفاعة، فإذا قلت: إن الشفاعة لا تجوز للكافر، وأن النبي ﷺ سيشفع في الزاني وفي السارق، فيلزم من ذلك أن الزاني ليس بكافر، والسارق ليس بكافر.
ولكننا نتكلم أولًا عن المقدمة وأدلتها: قال تعالى عن الكفار: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وقال على لسانهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١]، وجاء في سورة البقرة في أكثر من آية قوله تعالى: ﴿وَلا هُمْ يُنصَرُونَ﴾ [البقرة:٤٨]، فالكفرة لا شفاعة لهم، ولا شفاعة تنفعهم، ولكن النبي ﷺ يثبت أن أهل الكبائر تنفعهم الشفاعة، فالمقدمة الأولى: أن الشفاعة ملغاة عن الكفار، والمقدمة الثانية: أن أهل الكبائر لهم شفاعة، وليست ملغاة عنهم، ونتيجة المقدمتين: أن أهل المعاصي من أهل القبلة مؤمنون وليسوا من الكفار.
وأول دليل في ذلك: قول النبي ﷺ: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)، ووجه الدلالة في الحديث أمران: الأمر الأول: قول النبي ﷺ: (شفاعتي لأهل الكبائر)، إذ سماهم: أهل الكبائر، وجعل لهم الشفاعة، والثاني قوله: (من أمتي)، فجعلهم من أمة الإسلام، وأنا أقول ذلك؛ لأنه جاء حديث في مسند أحمد بسند صحيح أن النبي ﷺ قال: (ما من أمة إلا وفيهم أهل الجنة، وأهل النار)، أو قال: (ما من أمة إلا وبعضهم في الجنة، وبعضهم في النار)، أي: أن بعضهم اتبعوا الرسل، وبعضهم كفروا بالرسل، ونهاية الحديث: (ما من أمة إلا وبعضهم في الجنة، وبعضهم في النار، إلا أمتي فكلهم في الجنة)، وهذا الإشكال في حديث صحيح عن النبي ﷺ ويحتاج إلى حل، إذ أن معناه: أن كل أمته في الجنة؛ لعموم قوله: (أمتي) والجواب أن المقصود بقوله: (أمتي) هنا: أمة التوحيد الذين أجابوا رسول الله ﷺ، فقد يكون هناك من اسمه مسلم، ولكنه من الكفر بمكان، فهذا ليس من أمة محمد حقيقة، وإن أكل مع المسلمين، وتزوج من المسلمين، وإن ورث المسلمين، لكنه ليس من أهل الإسلام حقيقة، فقول النبي ﷺ (وأمتي كلهم في الجنة)، يعني: الذين استجابوا لي، فهم من أهل الجنة.
وهذا يعضد القول بأن الشفاعة تقع لأهل الكبائر، وأن أهل الكبائر ليسوا من الكافرين.
ومن الأدلة على ذلك أيضًا: إخبار الله جل في علاه أن كل ذنب كائن من سرقة، أو كذب، أو ربا، أو عقوق الوالدين، وغير ذلك من الكبائر، فكله تحت مشيئة الله، وأن الله قد يغفره إلا الشرك، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء:٤٨]، ثم قال: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء:٤٨].
فما دون الشرك من كل الذنوب والكبائر فهو تحت مشيئة الله جل في علاه.
وكذلك: إن أسعد الناس بشفاعة النبي ﷺ الذين قالوا لا إله إلا الله، وهناك أدلة كثيرة جدًا تثبت أن من قال: لا إله إلا الله، فإنه من أهل الجنة، إما من أول وهلة، وإما أن يعذب ثم يدخل الجنة، وفي ذلك قال النبي ﷺ: (من كان آخر كلامه: لا إله إلا الله دخل الجنة، ولو كان يومًا من الدهر).
وقال النبي ﷺ في حديث معاذ بن جبل: (وحق العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئًا)، وقال ﷺ: (من قال لا إله الله خالصًا من قلبه دخل الجنة)، وقال النبي ﷺ أيضًا: (من قال أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، وأن الجنة حق، وأن النار حق، دخل الجنة على ما كان من عمل)، أي: على أي عمل أتى به؛ لأنه أتى بالتوحيد، فهذه الأدلة قاضية بأن من أتى بالتوحيد ولو كان من أهل الكبائر، فإنه من أهل الجنة، وإن كان مآله الأول إلى النار فإن آخر مآله هو الجنة.
ومن الأدلة التي تثبت أن أهل الكبائر ليسوا من الكفار: تنصيص النبي ﷺ على أن من أهل الكبائر من يكون من أهل الجنة، وذلك في حديث أبي ذر أن النبي ﷺ قال: (بشرني جبريل ﵇ فقال: يا محمد! من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، فتعجب أبو ذر فقال: يا رسول الله! وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق).
ومعلوم أن الزنا والسرقة كبيرتان، لكن النص يؤكد هنا أن المرء وإن زنى وإن سرق فهو من أهل الجنة، وفي الحديث: (قال: وإن زنى وإن سرق؟ قال: وإن زنى وإن سرق، وإن رغم أنف أبي ذر).
فهذا فيه دلالة صريحة على أن صاحب الكبيرة يدخل الجنة رغم أنف من يقول بغير ذلك، وهذه البشارة من جبريل ﵇ إنما هي وحي من ربه جل في علاه.
ثم قد جاء أن فعل السيئات غفرانها داخل في المشيئة؛ لقول الله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ [التوبة:١٠٢]، ثم قال الله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة:١٠٢]، إذًا: هم في مشيئة الله جل في علاه.
وفي حديث عبادة في الصحيحين قال: (بايعنا النبي ﷺ على ألا تشركوا بالله شيئًا، ولا تزنوا ولا تسرقوا، ثم قال: فمن ارتكب من ذلك شيئًا فعوقب به، فهو كفارة له، وإن ستره الله فأمره إلى الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له).
فأهل الكبائر تحت مشيئة الله، ورحمة الله قد سبقت غضبه، فهم إلى رحمة الله أقرب منهم إلى عقابه جل في علاه، وهذا يستدل به على أن الحدود كفارات، وذلك أن النبي ﷺ قال: (فعوقب به فهو كفارة له) أي: من عوقب على الزنا، أو على السرقة، بأن جلد مائة جلدة، أو قطعت يده بالسرقة، فهذه الحدود كفارة له، وفي هذا دلالة على أن فاعل الكبيرة ليس بكافر، ووجه الدلالة: أن الكفر لا كفارة له، ولا شيء يكفره أبدًا، بل لا بد على صاحبه أن يتوب من الكفر، فإذا رأينا أن الله قد جعل للرجل كفارة للمعصية، فإننا نعلم بذلك أن تلك المعصية ليست بكفر، وأن صاحبها ليس بكافر.
والذي يوضح لنا هذا جليًا حديثان: الحديث الأول: حديث المرأة الغامدية التي زنت، فقد جاءت إلى رسول الله وقالت: (يا رسول الله! طهرني، فإني حبلى من الزنا، فأرجعها النبي ﷺ حتى تلد، ثم أرجعها حتى ترضع، وبعد أن انتهت من الرضاعة أخذها النبي ﷺ فأقام عليها الحد، فكان خالد يرميها بالحجر، فتناثرت الدماء على ثوبه فقال: لعنة الله عليك، أو سبها، فقال النبي ﷺ: لا تسبها، فإنها قد تابت توبة لو وزعت على أهل المدينة لوسعتهم).
وفي هذه القصة دلالة على أنها كانت عاصية بزناها، وأن الرجم كان لها كفارة، فليست بكافرة؛ لأن النبي ﷺ قال: (لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس -يعني: صاحب ربا- لقبلت منه)، وهذه دلالة على عظم إثم صاحب المكس.
الحديث الثاني: حديث الغامدي: (عندما جاء إلى النبي ﷺ واعترف بالزنا، فرجمه صحابة رسول الله ﷺ، وعندما قال: لا ترجموني وخذوني إلى رسول الله ﷺ، وكأنه يريد أن يرجع عن قوله، فألقموه الحجارة حتى قتل ﵁ وأرضاه، فقال النبي ﷺ: لو تركتموه لتاب وتاب الله عليه)، ثم بعد ذلك بين النبي ﷺ أنه في أنهار الجنة يسبح فيها، مع أنه قد فعل كبيرة وهي الزنا؛ وذلك لأن القتل أو الرجم حتى الموت قد نحى عنه هذا الزنا، فلا يسأل عنه أمام ربه جل في علاه.
وهذه دلالة قاطعة دامغة على أن صاحب الكبيرة ليس بكافر، وأنه من أهل الإيمان، لكنه مؤمن ناقص الإيمان، وهو في دائرة الإسلام لا في دائرة الإيمان، فإذا اعتقدنا هذا الاعتقاد الصحيح وجب علينا أن نرد على الشبه التي قالها أهل الضلالة من الخوارج والمعتزلة.
32 / 6