238

Sharḥ kitāb al-tawḥīd li-Ibn Khuzayma

شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة

الشفاعة الخاصة
الشفاعة الخاصة: هي التي تختص برسول الله ﷺ، وهذه لا يشارك رسول الله ﷺ فيها أحد أبدًا، وإنما خصها الله برسوله ﷺ كرامة له، وإظهارًا لحبه، ورفعة له يوم القيامة، وهذا هو المقام المحمود الذي وعد الله له رسوله ﷺ.
وهي أنواع ثلاثة: أعظمها: شفاعة الموقف، عندما يشتد الكرب ويزلزل الناس زلزالًا شديدًا، في يوم: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج:٢] حينها يقول الناس كما أخبر النبي ﷺ: (نذهب إلى آدم، فآدم أبو البشر خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، فله الكرامة عند الله حتى يفصل بيننا، فيذهبون إلى آدم فيقول: لست لها، قد أكلت من الشجرة ونهاني ربي عنها، لكن اذهبوا إلى نوح فهو أول رسول إلى البشرية، فيذهبون إلى نوح فيقول: لست لها، قد سألت الله ما ليس لي به علم، لكن اذهبوا إلى إبراهيم أبي الأنبياء، فيذهبون إلى إبراهيم فيقول إبراهيم ﵇: لست لها، قد كذبت ثلاث كذبات، لكن اذهبوا إلى موسى كليم الله، اصطفاه الله جل وعلا برسالاته وبكلامه، فيذهبون إلى موسى فيقول موسى ﵇: لست لها، وفي كل مرة يقولون: ألا ترى ما ألم بنا؟! ألا ترى ما نحن فيه من كرب؟! ألا ترى ما نحن فيه من الشدة؟ وكل رسول يقول: لست لها، فموسى يقول: اذهبوا إلى عيسى روح الله، فيذهبون إلى عيسى فيقول: لست لها، اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم وما تأخر، فيذهبون إلى رسول الله فيقول: أنا لها، أنا لها، يقول النبي ﷺ: فأستأذن على ربي فأذهب إلى تحت العرش فأخر ساجدًا).
وهذه كرامة وشرف له ﷺ، فقد أذن الله له فقام أمام الخلق أجمعين؛ ليظهر الله جل وعلا كرامته بأن قبله شفيعًا، فيذهب فيخر تحت العرش ساجدًا لله.
ثم يقول ﷺ: (فأحمد الله جل في علاه بمحامد لم أكن أعلمها أعلمنيها ربي، وأثني عليه، ثم يقال: يا محمد! ارفع رأسك وسل تعط، واشفع تشفع، فيشفع محمد ﷺ في الفصل بين العباد، فيأتي الله جل وعلا ويفصل بين العباد).
وهذه الشفاعة العظمى خاصة برسول الله ﷺ، كما قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء:٧٩].
فهذا هو المقام المحمود، وكما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه حضنا أن نقول بعد انتهاء الأذان: (اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه اللهم المقام المحمود، الذي وعدته) فالمقام الذي وعد الله جل في علاه نبيه ﷺ هو أن يقوم يوم القيامة -بعدما تنحى كل رسول وقال: نفسي نفسي- فيقول: أنا لها، أنا لها، فيشفع لفصل القضاء بين عباد الله يوم القيامة.
النوع الثاني من الشفاعة الخاصة بنبينا ﷺ: هي شفاعة رسول الله ﷺ لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة؛ لأنه لا يدخل الجنة قبله أحد، قال رسول الله ﷺ: (أنا أول من يشفع في الجنة) بعدما يفصل الله بين العباد ويأمر بأهل النار فيقذفون فيها، يبقى أهل الجنة ينتظرون الإذن بدخول الجنة، يريدون الدخول فلا يستطيعون؛ لأن الملك الذي وقف على باب الجنة لا يفتح إلا لشخص واحد وهو رسول الله ﷺ، ولذلك قال النبي ﷺ: (أنا أول شافع) وقد أشار الله في كتابه إلى ذلك حيث قال عن الجنة: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾ [الزمر:٧٣]، لكن عندما تكلم عن النار قال: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ﴾ [الزمر:٧١] أي أن النار، لم تنتظر أحدًا، فهي مشتاقة للكفار، أما الجنة فقال الله عنها: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ﴾ [الزمر:٧٣] هذه إشارة أنهم ينتظرون حتى يشفع لهم الرسول ﷺ، (فيدق رسول الله ﷺ باب الجنة، فيقال: من؟ فيقول: محمد فيقول: بك أمرت، ألا أفتح لأحد قبلك، فيفتح لأهل الجنة فيدخلون الجنة)، وهذه شفاعة خاصة برسول الله ﷺ؛ إظهارًا لفضله وكرامته.
وشفاعة أخرى خاصة برسول الله لا يشترك معه فيها أحد ألا وهي: شفاعته لـ أبي طالب، وأبو طالب مستحق الخلود في النار، والشفاعة لأهل النار منفية، كما قال الله تعالى حاكيًا عنهم: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١].
فيأتي النبي ﷺ يشفع لـ أبي طالب؛ لأن أبا طالب كان يحوطه ويناصره ويدافع عنه حتى مات، فكرامة لهذه المدافعة وهذه الإحاطة لأكرم خلق الله على الله، فإن الله شفع رسوله خاصة في أبي طالب، حتى أبا الأنبياء إبراهيم ﵇ لم يشفعه الله في أبيه.
لما قال العباس للنبي ﷺ: (ماذا فعلت لعمك، فقد كان يناصرك ويحوطك وكان وكان؟ فقال: لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار، هو الآن في ضحضاح من نار، له نعلان يغلي بهما دماغه) يعني خفف الله عنه العذاب بشفاعة رسول الله ﷺ، وهو يرى أنه أشد أهل النار عذابًا، نعوذ بالله من النار، ونعوذ بالله أن ندخلها لحظة واحدة.
فهذه الأنواع الثلاثة من الشفاعة خاصة برسول الله ﷺ.

28 / 8