230

Sharḥ kitāb al-tawḥīd li-Ibn Khuzayma

شرح كتاب التوحيد لابن خزيمة

شبهات القائلين بأن عم النبي وأبويه ليسوا من أهل النار والرد عليها
وقد أبى المتنطعون الذين يهرفون بما لا يعرفون، والذين يخرفون ويضللون الناس أبوا على هذه الأحاديث الصحيحة أن تسطع كشمس النهار فتعلم الناس، وأبوا علينا ذلك، فقالوا: لا والله لا نرضى بهذا، بل أبو طالب في الجنة، وأبو النبي عبد الله في الجنة، وآمنة في الجنة، فنقول لهم: اتقوا الله في أنفسكم، فالرسول ﷺ يقول: (أبي وأبوك في النار) والرسول ﷺ يقول: (استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي) فكيف تقولون هذا؟ قالوا: بالأثر والنظر، وهذا الكلام تلبيس، ووالله الذي لا إله إلا هو مع تدقيق النظر في كلامهم تقول: حقًا إن إبليس فقيه في الشر؛ فإنه يلبس على الناس، وصدق الله إذ يقول: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ [الأنعام:١٢١]، وليدحضوا الحق بالباطل، فقالوا: أولًا: قول النبي ﷺ (أبي وأبوك في النار)، هذا حديث صحيح ولا نستطيع أن نضعفه، لكن معناه: جدي وأبوك في النار، يعني: عبد المطلب، ولا يقصد أباه عبد الله، والدليل على ذلك: قول الله تعالى عن يوسف: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [يوسف:٣٨] الآية، وإبراهيم هو جد يوسف، إذًا يطلق الأب على الجد.
وقالوا أيضًا: آمنة في الجنة، والدليل على ذلك؟ ما جاء عن رسول الله ﷺ: (أن الله أحيا أباه وأحيا أمه، فدعاهما إلى الإسلام فدخلا الجنة بعدما قبلا الإسلام)، وهذا حديث مهلهل، وبه يحتج السيوطي، وقد ضرب صفحًا عن الأحاديث التي في الصحيحين، والتي أسانيدها كالشمس الساطعة في وضح النهار.
وقالوا أيضًا: أبو طالب في الجنة، وكيف يفعلون بالحديث الذي في الصحيح من أن النبي ﷺ ذهب إليه فقال: (يا عم! قل: لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله)؟ فقالوا: لا، أبو طالب في الجنة بالأثر والنظر، قلنا: كيف بالأثر والنظر؟ قالوا: أما الأثر فحديث النبي ﷺ (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة)، وهذا الحديث صحيح كالشمس، قالوا: وأعظم يتيم على الإطلاق في الدنيا كلها هو رسول الله ﷺ، إذًا فأعظم كافل هو أبو طالب؛ لأنه هو الذي كفل النبي ﷺ.
وأما النظر: فنصرته لرسول الله ﷺ ومدافعته عنه ﷺ، فإن الله لا يرد هذا الفعل الخير.
أما الجواب عن شبههم هذه فكالآتي: فأما قولهم في حديث: (إن أبي وأباك في النار) وأن المقصود به عبد المطلب، فالرد على ذلك من وجهين: أولًا: أن الأصل الموضوع له لفظ (الأب) أنه هو الذي أنجب، فالأصل أن الأب هو الذي أنجب، فهذا هو الظاهر، ولا ننتقل إلى غيره إلا بدليل، ولا دليل هنا.
ثانيًا: نتنزل معك أيها القائل: أن الأب يطلق على الأب الأصل الذي أنجب وعلى الجد أيضًا، فنقول: إذًا فالأب والجد في النار -تنزلًا- ولا يخرج واحد منهما إلا بدليل، وله أن يعارضني ويقول: أخرجتُ الأب بحديث: (أن الله أحيا أباه عبد الله وأمه آمنة فدعاهما النبي ﷺ إلى الإسلام فأسلما)، فأقول: هذا الدليل لا يسمن ولا يغني من جوع؛ لأن الحديث موضوع هالك الإسناد، فلا يصح أن يحتج به، إذًا: فيبقى الحديث الذي في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: (أبي وأبوك في النار).
ثالثًا: يلزمك أنك إذا قلت بأن لفظة (الأب) تطلق على الجد وجد الجد أن يتنزل ذلك على إبراهيم وإسماعيل ﵉، فإسماعيل جد النبي ﷺ ينزل منزلة الأب، وأيضًا إبراهيم جد النبي ﷺ ينزل منزلة الأب، فإذا قلت: لا، إنما يتنزل ذلك على الجد الأقرب، فنقول لك: لم لا تقول: والجد الأبعد، فإذا قال: لأن الأدلة كلها متوافرة متظافرة على أن هؤلاء رسلًا وهم في الجنة، فنقول: وكذلك الأدلة متوافرة ومتظافرة على أن عبد الله في النار، فهذا الذي ورد عن رسول الله ﷺ وهو أبوه، ولا يدافع عن أبيه، وهو الذي قال: (أبي وأبوك في النار).
وأما الجواب عن الشبهة الثالثة وهي: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة) فنقول: نحن نوافق ونقر أن أعظم من كفل رسول الله ﷺ هو أبو طالب، ونحن أيضًا نقر أن هذا الحديث صحيح كالشمس: (أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة)، والرد على هذه الشبهة من وجوه ثلاثة: الوجه الأول: أن الذين يثابون على الأعمال الصالحات هم المؤمنون خاصة لا الكافرون، قال الله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ [النحل:٩٧]، فقيد ذلك بالإيمان، ولم يقل: من عمل صالحًا من ذكر أو أثنى وهو كافر فإنها تكون له الحياة الطيبة في الدنيا وفي الآخرة، وعمه أبو طالب كان كافرًا؛ لأن النبي ﷺ قال له: (قل: لا إله إلا الله) فلم يقل: لا إله إلا الله، ومات على ملة عبد المطلب.
الوجه الثاني: أن أعظم الصالحات التي قدمها من النصرة والكفالة قد عجل ثوابها له في الدنيا وله أيضًا في الآخرة، فإذا عمل صالحًا فإنه لا يضيع هباءً منثورًا، بل إن الله جل وعلا لا يظلم الناس شيئًا، فإنه يعجل للكافرين صالح أعمالهم في الدنيا دون الآخرة، ففي حديث عائشة ﵂ وأرضاها أنها ذكرت للنبي ﷺ أن عبد الله بن زيد بن جدعان كان يفعل الخير، فبين النبي ﷺ أن هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم في الدنيا ولا شيء لهم في الآخرة، وكما قال رسول الله ﷺ: (أسلمت على ما أسلفت)، وبين الله أن الكافر إذا عمل خيرًا فإنه تعجل له طيباته في الدنيا إذا شاء الله، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا﴾ [الإسراء:١٨].
الثالث: أن النبي ﷺ قد أقر بأنه كان ينصره ويؤازره، ومع ذلك بيّن رسول الله ﷺ مع هذه المؤازرة أنه في ضحضاح من النار خالدًا مخلدًا فيها، أو هو يلبس نعلين من نار تغلي منهما دماغه.
أيضًا: قد نفعته شفاعة النبي ﷺ في الآخرة بسبب الصالحات التي قدمها برسول الله ﷺ في الدنيا، وكانت هذه الشفاعة خاصة لرسول الله ﷺ؛ إذ أن الكافرين لا شفاعة لهم، قال تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر:٤٨]، وقال تعال: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ * وَلا صَدِيقٍ حَمِيمٍ﴾ [الشعراء:١٠٠ - ١٠١].
فهذا تصريح بأنهم وهم في النار يصرحون أنه لا شفيع يناصرهم أو يشفع لهم، وكانت هذه خاصة لـ أبي طالب، فالنبي ﷺ شفع له في الآخرة حتى يخرج من الدرك الأسفل من النار ويكون في ضحضاح من النار.
فهذه الشبهة الثالثة وقد أميتت بفضل الله ﷾، وهذه النار قد أخمدت، وأهل البدع هم الذين ينفخون في هذه النار ويقولون: تتجرءون على رسول الله، وأنتم لا تحبون رسول الله، ويبكون ويتباكون زيفًا وزورًا وبهتانًا، ويصادمون كتاب الله، ويصادمون سنة النبي ﷺ، فنحن نقر هنا أن عبد المطلب في النار، وأبا طالب في النار، وعبد الله في النار، وآمنة في النار، هذا بتصريح رسول الله ﷺ، وما لنا لا نؤمن بذلك وهي شريعة غراء، وما لنا لا نؤمن بذلك والله جل وعلا أرحم بالعباد من أمهاتهم وأنفسهم، وقد قضى كونًا أن هؤلاء من أهل النار.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.

27 / 12