Sharḥ kitāb al-Jāmiʿ li-aḥkām al-ṣiyām wa-aʿmāl Ramaḍān
شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان
قراءة القرآن على ترتيب المصحف
والأولى في القراءة أن يقرأ على ترتيب المصحف، سواء قرأ في الصلاة أو في غير الصلاة، وهذا الترتيب الذي في المصحف هو الذي كان في آخر عرضة عرضها جبريل مع النبي ﷺ، فكان على هذا الترتيب.
وهذا الترتيب لهذه السور له حكمة من الله ﷿، سواء عرفنا أو لم نعرف، وهو شيء توقيفي، وقد كان النبي ﷺ يقرأ السبع الطول على ترتيبها، وإن كان قد جاء عنه أنه قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران، وهذا لبيان الجواز، وفي قيام الليل يجوز أن تقرأ بسورة من أول القرآن، ومن آخره، وإن كان الأفضل أن تقرأ مرتبًا.
والنبي ﷺ لما قرأ السبع الطوال من أول القرآن في قيامه بالليل لم ينقل عنه أنه قرأها على غير ترتيبها المعهود، وإنما قرأ مرة واحدة بالبقرة ثم النساء ثم آل عمران، فقالوا: لقد كان الترتيب على ذلك، وهو الذي ورد في مصحف ابن مسعود، ولعله كان قبل العرضة الأخيرة التي عرضها جبريل مع النبي ﷺ.
وقد كان ابن مسعود من حفاظ القرآن، ولكنه لم يكن من الكتاب الذين كتبوا القرآن بعد النبي ﷺ؛ لأنه كان متمسكًا بالقراءة القديمة، وقد نسخت أشياء لم يطلع عليها رضي الله ﵎ عنه، فالذي بين أيدينا من ترتيب المصحف هو ما كان عليه النبي ﷺ في آخر عرضة عرضها مع جبريل، فالأولى أن يقرأ القرآن على ذلك.
ولو قرأ على غير ذلك، كأن بدأ بسور قبل سور فهذا جائز، ولكن الأولى الترتيب، يقول النووي ﵀: لأن ترتيب المصحف لحكمة فلا يتركها، وترتيب المصحف حكمة من الله ﷿، سواء عرفناها أو لم نعرفها، فلا يترك هذا الترتيب الذي عليه المصحف الكريم إلا فيما ورد الشرع بالتفريق فيه.
أي: أن الأصل أن المصحف مرتب على هذه الصورة، فيكون الأصل قراءته بهذه الصورة، ولكن جاء عن النبي ﷺ ما يبين أنه يجوز أن يقرأ على غير هذا الترتيب، وذلك من فعل النبي ﷺ، فقد قرأ في صلاة العيد بـ (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ)، ولم يقرأ السورة التي بعدها، وإنما قرأ: (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ).
وكذلك في الفجر يوم الجمعة قرأ النبي ﷺ بـ (الم) السجدة، وقرأ بعدها سورة الإنسان، وكان يواظب على قراءته لهاتين السورتين في صلاة الفجر يوم الجمعة، فهذا الذي فعله النبي ﷺ، فنفعل كما فعل صلوات الله وسلامه عليه، وأما غير ذلك فالأولى أن يكون على ترتيب المصحف.
يقول النووي ﵀: فلو فرق أو عكس جاز، ولكنه ترك الأفضل، أي: إذا قرأ سورة قبل سورة، أو سورة بعد سورة، فقرأ هذه أولًا وهذه ثانيًا، على عكس ترتيب المصحف، أو غير مرتبتين، فهذا لا شيء فيه.
27 / 5