168

Sharḥ kitāb al-Jāmiʿ li-aḥkām al-ṣiyām wa-aʿmāl Ramaḍān

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان

ذكر بعض الأحاديث الواردة في صفة قيام النبي ﷺ في الليل
ومما جاء في ذلك ما في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (إن رسول الله ﷺ كان يصلي إحدى عشرة ركعة، كانت تلك صلاته -تعني: بالليل- فيسجد السجدة من ذلك قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية)، والخمسون آية ممكن أن تكون ربعين في القرآن، هذا الغالب، ويمكن أن يكون أكثر من ذلك.
قالت: (قبل أن يرفع رأسه، ويركع ركعتين قبل صلاة الفجر).
هنا ذكرت أنه صلى إحدى عشرة ركعة بالليل، وركعتين، فاحتمل أن تكون الركعتان هم اللتان قبل الفجر، سنة الفجر القبلية، واحتمل أن تكونا من ضمن قيامه، وأنه بعدما انتهى وأوتر ﷺ كأنه قام بعد ذلك فركع ركعتين بعدها، وسيأتي الكلام على ذلك.
لكن تقول هنا في الحديث توضح أنها سنة الفجر: (يركع ركعتين قبل صلاة الفجر، ثم يضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للصلاة).
فقام الليل بهذه الصفة التي السجدة فيها بقدر خمسين آية، وهذا يدل على أنها طويلة، فإذا كان سيسجد السجدات قدر خمسمائة آية فكم سيكون قدر الركوع؟ والقراءة نفسها كم ساعة ستكون؟ إذًا: فهذه الصلاة الطويلة تحتاج إلى راحة، فكان ﷺ يرتاح بعد هذه الصلاة، فلما أذن المؤذن للفجر صلى ركعتين سنة الفجر.
ثم يضطجع إلى أن يجتمع الناس إلى بيت الله ﷿، وهذا الاضطجاع سنة في مثل هذه الحال.
فعائشة ﵂ تحكي أن النبي ﷺ قام الليل قيامًا طويلًا، وعند الفجر صلى ﷺ سنة الفجر، ثم اضطجع قليلًا ﷺ.
وأحيانًا كان يجد زوجته السيدة عائشة أو أم سلمة أو غيرهما من زوجاته قاعدة فكان يحدثهن، وأحيانًا تكون هي أيضًا تنتظر صلاة الفجر، فكان النبي ﷺ يضطجع ولا ينام، ولكن يضطجع ليستريح، وهذا معروف طبيًا، فإن الإنسان إذا قام قيامًا طويلًا ينسحب الدم من رأسه إلى أطرافه، فلا يصل إلى المخ، فيمكن أن يدوخ، فإذا نام على الأرض يصل الدم إلى المخ؛ لذلك إذا أغمي على إنسان فإنك تضعه على الأرض، فترفع رجليه من أجل أن الدم يصل إلى دماغه، وأما إذا وضعته على كرسي وجعلت تضرب فيه من أجل أن يصحو فلن يصحو؛ لأن الدم لن يصل إلى دماغه، فأول شيء أن تجعله ينام على الأرض، وترفع رجليه إلى الأعلى، فتجعل رجليه أعلى من دماغه؛ من أجل أن الدم يصل إلى الدماغ.
فالإنسان إذا قام الليل وتعب فإنه ينام ويضطجع.
إذًا: فهذه سنة النبي ﷺ، لكن إذا كان الواحد حاله مثل حالتنا قد نام الليل كله، وقبل الفجر قام وصلى ركعتين فلا يضطجع؛ لأنه قد نام الليل كله، فلا ينم؛ فإن هذا وقت إجابة دعاء، ولذلك البعض يتشدد ويقول: هي سنة، وأما ابن حزم رحمة الله عليه فيقول: تجب هذه الضجعة.
والصحيح أن هذه ضجعة استراحة، وليست عبادة، لكن ابن حزم يقول: هي واجبة، حتى إنك لو ذهبت للمسجد وكان الإمام في الصلاة فاضطجع، ثم قم وادخل في الصلاة، وهذا الكلام بعيد جدًا عن الحقيقة وبعيد عن الواقع، ومن يقبل مثل هذا الشيء؟! إذ كيف أدخل وأجد الإمام في الصلاة فأذهب اضطجع وأقوم؟! فسيقول: فعلها بعض الصحابة، فنقول: وإن فعلها بعض الصحابة رضوان الله ﵎ عليهم؛ فإنهم فعلوها بسبب الأعياء والتعب؛ لأنهم قاموا الليل كله، ولما وصلوا إلى المسجد وكان الواحد منهم مجهودًا اضطجع، أما إذا جئت والإمام في الصلاة وقد أمرك النبي ﷺ: (إذا أتيتيم والإمام ساجد فاسجدوا)، ولم يقل: نم واضطجع قليلًا وقم وادخل معه، وإنما قال: (فاسجدوا)، مع أن السجدة ليست محسوبة، ولذا قال: (إذا أتيتيم والإمام ساجد فاسجدوا ولا تعدوها شيئًا، ومن أدرك الركوع فقد أدرك الصلاة).
وهذا الحديث معناه: أنك أول ما تدخل المسجد افعل كما يفعل الإمام؛ بنص كلام النبي ﷺ، فإن خالف بعض الصحابة فنقول: هو فهم هذا الشيء ﵁ لكن النبي ﷺ لم يقل هذا الشيء، هو فهم أن النبي ﷺ أمر بهذا الاضطجاع، وهو ﷺ أمر من قام الليل أن يضطجع، كما قام النبي ﷺ وتعب.
وأما أن يأتي المسجد وهو قد بات نائمًا في وقت أخبر النبي ﷺ أن الدعاء فيه مستجاب ويترك الدعاء من أجل أن يضطجع فلا، ولماذا يفعل هذا الشيء وهو غير تعبان؟ فهنا الضجعة نحملها على ما فعله النبي، كما أخبرت السيدة عائشة رضي الله ﵎ عنها.
ونحن نحكي هذا لأن في الاعتكاف تجد بعض الإخوة يعملون حاجات غريبة، ومن ثم يقولون: هي سنة، فنريد أن نقيم السنة، وتجد آخرين يردون عليهم، ويحصل خلاف بينهم، فنقول: ابعدوا عن الخلاف، فالخلاف كله شر.
وأيام الاعتكاف أيام عبادة لله ﷾، وتقرب إلى الله ﷾، فلا تشذ عن الناس بفعل تفعله، ولا تلفت إليك الناس بحيث تقول: الناس ينظرون إلي، والناس يعملون مثل ما أنا أعمل، فيخشى عليك من الرياء بفعلك الذي تفعل.
وفي الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة)، ونلاحظ الفرق بين: (كان يفعل كذا)، فهذا دليل على الاستحباب، وبين: (لا تفعلوا كذا)، فهذا دليل على الأمر والنهي، فهنا كان يفعل، والتي تقول هذا هي السيدة عائشة وليس النبي ﷺ.
فالسيدة عائشة ﵂ تقول: (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن) تعني: لا تسأل عن جمال هذه الصلاة التي يصليها، وعن حسن الصلاة التي يصليها النبي ﷺ، والله ﷾ يقول: ﴿وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:١١٠]، فلا تجهر بصلاتك فتوقظ النائمين، ولا تخافت بها، فلعل أحدًا يريد أن يسمعك وأنت تقرأ، فكان يقرأ قراءة لا يوقظ بها النائمين، فكانت تسمع له، ويعجبها قراءة النبي ﷺ، ويعجبها جمال صلاة النبي ﷺ، فتقول: (لا تسأل) أي: لا يوجد بعد ذلك حسن؛ فصلاة النبي ﷺ التي يصليها بالليل وهو في بيته ﵊ أحسن وأجمل صلاة.
قالت: (ثم يصلي أربعًا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثًا) تعني: يوتر بعد ذلك بركعتين ثم بواحدة، قالت: (فقلت: يا رسول الله! أتنام قبل أن توتر؟) كأنه كان يصلي أربع ركعات وينام، ثم يقوم، فيصلي أربع ركعات أخرى وينام، ثم يوتر، فهي تسأله وتقول: أنت تقوم من النوم فتصلي الوتر من غير أن تتوضأ؟ فقال: (يا عائشة! إن عيني تنامان ولا ينام قلبي) فقلبه صلوات الله وسلامه عليه لا ينام، بل قلبه معلق بالله سبحانه، فيستشعر بكل ما حوله، والعين تنام وتستريح، وأما القلب فلا، فهو يقظ ليلًا ونهارًا، فصلوات الله وسلامه عليه لا يغيب عن ربه ﷾، وكان النبي ﷺ إذا نام يستشعر نفسه أنه أحدث أو لم يحدث، والعادة أنه لم يحدث في النوم فيصلي ﷺ، فإن أحدث توضأ وصلى صلوات الله وسلامه عليه.
وفي حديث آخر في صحيح مسلم أن عائشة ﵂ سئلت عن صلاة رسول الله ﷺ فقالت: (كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات ثم يوتر)، وكأنها هنا أجملت الحديث، وفي الحديث الأول ذكرت أنه كان يصلي أربعًا ثم أربعًا، تعني: يصلي ركعتين، ثم يصلي ركعتين، ثم يستريح، ثم يقوم يصلي ركعتين، ثم يصلي ركعتين، ثم يستريح، ثم يقوم فيصلي ركعتين ويوتر ﵊، فهذا تفصيل: أربعًا وأربعًا وثلاثًا.
وهنا قالت: (ثم يوتر، ثم يصلي ركعتين وهو جالس) أي: كان يصلي ثلاث عشرة ركعة، فيصلي ثمان ركعات ثم يوتر، وكأنها تقصد أنه يوتر بثلاث، فيكون المجموع إحدى عشرة ركعة، ثم يصلي ركعتين.
قالت: (ثم يصلي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح).
وهذا الحديث محتمل أنه على هذا الظاهر، أي: أنه ﷺ صلى ثمان ركعات، لكن يحتمل أنه أوتر بواحدة، ويحتمل أنه أوتر بثلاث.
فإن كان أوتر بواحدة فيكون صلى تسع ركعات، وبعدما صلى التسع ركعات صلى ركعتين وهو جالس ﵊.
إذًا: نأخذ من هذا أنك إذا أوترت مع الإمام وأحببت أن تصلي في البيت فيجوز لك أن ترجع فتصلي شفعًا شفعًا، فليس لازمًا أنك إذا كنت مع الإمام وأوتر وسلم أن تقوم وتأتي بركعة، بل من الممكن أنك أيضًا تسلم مع الإمام في الوتر، وإذا رجعت إلى بيتك وأحببت أن تصلي فصل، لكن صل شفعًا ولا توتر مرة ثانية بعد ذلك.
وفعل النبي ﷺ ذلك لبيان الجواز، وصلى ثمان ركعات وأوتر بواحدة ﷺ، فأصحبت تسعًا، ثم صلى ركعتين وهو جالس ﵊؛ وكأنه تعب، فأصبحت إحدى عشرة ركعة.
قالت: (فإذا أراد أن يركع قام فركع، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة، ثم يصلي ركعتين وهو جالس) تعني: صلى الركعتين وهو جالس وقرأ فيها ما شاء الله ﷿ أن يقرأ، فإذا أراد أن يركع قام وكمل القراءة وهو قائم، وركع ﵊ من قيام، وهذا في الركعتين اللتين بعد الوتر وليس في الركعتين اللتين بعد أذان الفجر.
قالت: (ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة)، فإذًا: الثلاث عشرة ركعة فيها ركعتا سنة الفجر القبلية.
فعلى الحديث الأول يحتمل أنه صلى ركعتين من ضمن ركعات قيام الليل، وعلى هذا فيكون قيام الليل ثلاث عشرة ركعة، وإن كان الغالب من كلامها الاحتمال الثاني، وهو أنها

16 / 4