158

Sharḥ kitāb al-Jāmiʿ li-aḥkām al-ṣiyām wa-aʿmāl Ramaḍān

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان

معنى الحسد والغبطة والفرق بينهما وحكمهما
جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا حسد إلا في اثنتين) فالحسد كله حرام، والذي ذكره النبي ﷺ مشاكلة لفظية فقط، ولم يقصد المعنى الحقيقي للحسد، إنما المعنى هنا: أن تغبط إنسانًا على ما آتاه الله، وفرق بين أن تغبط أحدًا وبين أن تحسده، فمعنى أن تحسده: أن تتمنى زوال نعمته، وهذا حرام لا يجوز، ولم يقصد النبي ﷺ ذلك أبدًا.
ومعنى الغبطة: أن تتمنى أن يكون لك مثل ما لأخيك من نعمة، فتقول: بارك الله لك في نعمتك وأسأل الله أنْ يرزقني مثل ما رزقك، فقد وصف النبي ﷺ الغبطة بهذا الوصف، فكونك تحسد إنسانًا على شيء لا يجوز لك، ولكن في أمرين اثنين يجوز لك أن تغبطه، وهما كما قال النبي ﷺ (رجل آتاه الله الكتاب فقام به آناء الليل) أي: رجل آتاه الله القرآن بأن حفظه وقام يصلي به في الليل، وليس شرطًا أن يكون حفظ القرآن كله؛ لأن الدرجات يوم القيامة عظيمة وكثيرة، وحسب ما تحفظ يقال لك: (اقرأ وارتق) فتصل إلى مرتبة بحسب ما تحفظ، فإذا وجدت إنسانًا يحفظ القرآن ويعمل به تقول في نفسك: يا ليتني أعمل مثل هذا الإنسان، ويا ليتني أحفظ مثله، فتتمنى أن تكون مثل هذا الإنسان وتأخذ بالأسباب، وقد تصل أو لا تصل، ولكن الله يعلم من نيتك أنك تريد ذلك فيعطيك؛ لأن الله كريم وعظيم ﷾، فالعبد الذي يتمنى الخير لا يحرمه الله الخير؛ لأن الله أكرم من أن يحرم عبدًا من عبيده، فالغبطة هي أن تتمنى منزلة إنسان وتحبُّ أن يبقى على ما هو عليه من المنزلة، هذا الأعرابي الذي قال للنبي ﷺ: (متى الساعة؟ قال له رسول الله ﷺ: ما أعددت لها؟) أي: ما هو الذي أعددته للساعة حتى تسأل عنها، فالرجل رجع على نفسه وشعر بشيء من الأسف على نفسه، فقال (والله ما أعددت لها من كثير صلاة ولا صوم ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، فقال النبي ﷺ: المرء مع من أحب، قال أنس راوي الحديث: فما فرحنا بشيء فرحنا بسؤال هذا الأعرابي أن قال له النبي ﷺ: المرء مع من أحب، قال: أنس: فأنا أحب رسول الله ﷺ، وأحب أبا بكر وعمر، وأرجو أن أكون معهم).
فينبغي للمسلم أن يحب الصالحين؛ لعل الله أن يجعله معهم.
ففي الحديث السابق: (رجل آتاه الله الكتاب وقام به آناء الليل) فإذا رأيت هذا الإنسان فقد تعمل مثله، أو لعله يقوم بعملٍ أكثر منك فتحاول أنْ تفعل ما يفعله، فيعطيك الله الأجر على ذلك.
أما الثاني: (ورجل آتاه الله مالًا فهو يتصدق به آناء الليل والنهار) أي: أنه يتصدق في الليل والنهار، فإذا رأيته قلت: ليت الله يعطيني مالًا فأتصدق مثل هذا الإنسان، فلا حرج أن تتمنى على الله ذلك، ثم تحاول وتعمل، وليس مطلوبًا منك أن تحقق هذه الأمنية؛ لأن النتيجة ليست عليك أبدًا وإنما عليك السبب فقط، فقد تحاول أن تبحث عن عملٍ لعل الله يرزقك فتتصدق؛ فتذهب فلا تلقى عملًا فترجع، فنيتك هذه لن يضيعها الله ﷿ أبدًا؛ لأنك نويت أن تعمل ثم تتصدق، فالله يحفظ ذلك لك وكأنك فعلت.
وقد روى أبو داوود عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: (ما من امرئ تكون له صلاة بليل ويغلبه عليها نوم إلا كتب الله له أجر صلاته، وكان نومه عليه صدقة) فانظر إلى كرم الله ﷿، فالمرء إذا كان دائمًا يقوم يصلي في الليل فنام وما قام الليل، فإن الله يكتب له أجر صلاته كأنه قام الليل، ونومه عليه صدقة.
إن الله كريم سبحانه، فاسألوه من فضله ومن رحمته، وأحسنوا الظن به، ومن أحسن الظن فليحسن العمل.
نسأل الله من فضله ورحمته فإنه لا يملكهما إلا هو.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

14 / 6