138

Sharḥ kitāb al-Jāmiʿ li-aḥkām al-ṣiyām wa-aʿmāl Ramaḍān

شرح كتاب الجامع لأحكام الصيام وأعمال رمضان

حكم الوصال في الصوم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته أجمعين.
جاء في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال، فقالوا: إنك تواصل، فقال ﷺ: إني لست مثلكم؟! إني أطعم وأسقى) وفي رواية قال ﷺ: (وأيكم مثلي إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني) وهذا عن أبي هريرة ﵁.
ومعنى الوصال: أنه يظل صائمًا يومًا مع الليل لا يفطر ويجمع إليه اليوم التالي، وهذا الفعل فعله النبي ﷺ، ونهى أصحابه أن يفعلوا ذلك؛ إبقاء عليهم وشفقة عليهم، ورحمة بهم، فهو بالمؤمنين رءوف رحيم صلوات الله وسلامه عليه، والصحابة كانوا يحبون النبي ﷺ ويحبون ما يفعله، فيريدون أن يقتدوا به في كل شيء، فبين لهم وقال: (إني لست مثلكم) فالنبي ﷺ مخصوص بهذا الشيء، فإنه عند ربه يطعمه ويسقيه، فالله ﷿ يجعل له طعامًا وشرابًا محسوسًا، وفي رواية ابن عمر قال: (إني أطعم وأسقى) وقال ﷺ في رواية أبي هريرة في الصحيحين أيضًا: (إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني)، فالله ﷿ أعطاه قوة الإنسان الطاعم الساقي، فبعض العلماء قال: إن الله يطعمه ويسقيه حقيقة.
فقوله ﷺ: (إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني) يعني: أن الله ﷿ يعطيه قوة الطاعم الشارب صلوات الله وسلامه عليه، ويعينه على ذلك ﵊، فهو يصوم ويجمع أيامًا وليالي من غير أن يفطر، فالصحابة أحبوا أنهم يقلدون النبي ﷺ، فجاء في صحيح البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: (فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يومًا ثم يومًا، ثم رأوا الهلال) يعني: كان ذلك في آخر شهر رمضان.
فأصحاب النبي ﷺ لما وصلوا إلى آخر الشهر، وجدوا النبي ﷺ يواصل الصيام، فإذا بهم يريدون أن يواصلوا في آخر الشهر معه ﷺ، ومن رحمة رب العالمين لهذه الأمة أن النبي ﷺ نهاهم عن الوصال، ولكن الظاهر أن النهي منه ﷺ لم يكن للتحريم؛ لأنه لو كان على التحريم لفهموا ذلك، ولما صام الصحابة مع النبي ﷺ ليله مع نهاره، ولكن كأنهم فهموا أنه نهاهم ﷺ ولم يعزم عليهم، فأرادوا أن يواصلوا، فصام النبي ﷺ يومًا فصاموا معه، فواصل بهم اليوم الذي يليه فرأوا الهلال، فقال لهم النبي ﷺ: (لو تأخر الهلال لزدتكم، كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا)، ولو كان ذلك معصية لقال لهم: إن هذه معصية، فيسلمون لذلك، ولكن لم يفعل ﷺ وإنما واصل بهم يومًا ويومًا ويومًا فظهر الهلال رحمة من رب العالمين، فكان العيد فأفطروا رضوان الله تعالى عليهم.
فهذا الحديث فيه أن النبي ﷺ لم يحرم ذلك عليهم، وإنما رحمهم وأشفق عليهم ﷺ بذلك، فأمرهم أن يصوموا ويفطروا كما أمر الله، وهذه الزيادة له ﷺ، زيادة قربى إلى الله ﷿.
وهنا في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: (نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة بهم، فقالوا: إنك تواصل؟ قال: إني لست كهيئتكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني).
وفي الصحيحين عن أنس قال: (واصل رسول الله ﷺ في أول شهر رمضان فواصل ناس من المسلمين، فبلغه ذلك فقال لهم: لو مد لنا الشهر لواصلنا وصالًا يدع المتعمقون تعمقهم) يعني: لو زاد الشهر لكنا واصلنا وصالًا حتى يدع المتعمقون تعمقهم، ثم قال: (إنكم لستم مثلي أو فإني لست مثلكم إني أظل يطعمني ربي ويسقيني)، ففيه الذي ذكرناه.
إذًا: الوصال المنهي عنه: هو أن تواصل يومًا وليلة وتصبح صائمًا، لكن الوصال الجائز: هو أنك تؤخر الإفطار إلى السحور، فذلك لك، وإن كان الأفضل أنك تفطر وقت الإفطار بعد غروب الشمس، لما سيأتي من حديث عنه ﷺ.
وفي صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يقول: (لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر، فقالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي طاعم يطعمني وساق يسقيني) يعني: الله ﷿ يجعل له قوة الطاعم الشارب، أو يجعل له من يطعمه، وهذا شيء معنوي له صلوات الله وسلامه عليه، وفي الحديث الآخر: (إني أظل) يعني: لو كان يطعم حقيقة من عند الله، لأفطر في نهار رمضان ﷺ، ولكن جعل الله له قوة الطاعم الشارب ﵊.

12 / 2