128

Sharḥ kitāb al-īmān al-awsaṭ li-Ibn Taymiyya

شرح كتاب الإيمان الأوسط لابن تيمية

المنافقون يظهرون خلاف ما يبطنون
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وقد ذكر في سورة المنافقين قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] إلى آخر السورة، والمقصود بيان كثرة ما في القرآن من ذكر المنافقين وأوصافهم].
ذكر الله تعالى سورة كاملة في شأن المنافقين تسمى سورة المنافقين، بين الله تعالى فيها أوصافهم وأخلاقهم؛ تحذيرًا لعباده المؤمنين أن يتصفوا بصفاتهم، قال سبحانه: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ [المنافقون:١] وهم الذي كفروا في الباطن، وأظهروا الإسلام في الظاهر ﴿قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ [المنافقون:١] هذا قولهم باللسان ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون:١] إذًا: لهم ظاهر وباطن، ظاهرهم الشهادة لله تعالى بالوحدانية باللسان، وكذلك الشهادة لرسول الله ﷺ بالرسالة، وأما في الباطن فقلوبهم مكذبة.
﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [المجادلة:١٦] أي: اتخذوا أيمانهم وقاية يتقون بها العقوبات التي تصيبهم في الدنيا، فكلما فعلوا شيئًا حلفوا أيمانًا أنهم ما فعلوا فيسلمون من العقاب؛ لأن الأحكام إنما تكون على الظاهر، والسر تكله إلى الله، فجعلوا أيمانهم وقاية.
وهذا فيه تحذير للمؤمن من الأيمان، فنجد بعض المؤمنين يحلف ولا يبالي، وهذه من صفات المنافقين، وبئسما صنعوا، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون:٣] آمنوا: عرفوا الحق، ووضح لهم، ثم كفروا، فلما كفروا بعد وضوح الحق عوقبوا بأن طبع الله على قلوبهم، فجعل عليها غلافًا كالطابع.
وفي آية أخرى أخبر عنهم سبحانه بقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة:٨٨] أي: إذًا قلوبهم عليها غلاف وطابع وختم؛ بسبب تركهم الحق، وإعراضهم عنه بعد وضوحه، كما قال تعالى عن أهل القرى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:٥] فقد أزاغ الله قلوبهم بسبب زيغهم وتركهم الحق بعد وضوحه.
وقال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الأنعام:١١٠] ومن أوصافهم أنهم ممن يعجبك منظرهم، وأيضًا كلامهم معسول وبليغ وفصيح، لكن القلوب خراب ﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ [المنافقون:٤] أي: خاوية ليس فيها شيء فهي جوفاء.
﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾ [المنافقون:٤] وذلك بسبب ما في قلوبهم من الهلع، يظنون كل أمر وبلاء ينزل نازلًا بهم، ويرون أن كل حادثة هي عليهم؛ بسبب ما في قلوبهم من الريب والزيغ.
قال الله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤] أي: هم العدو الحقيقي اللدود، شديد العداوة، وإن كان اليهود أعداء، والنصارى أعداء، لكن هؤلاء أشد عداوة؛ ولهذا قال: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [المنافقون:٤].

8 / 3