131

Sharḥ al-waṣiyya al-kubrā li-Ibn Taymiyya

شرح الوصية الكبرى لابن تيمية

حكم المرتد القتل
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فمن اعتقد في بشر أنه إله، أو دعا ميتًا، أو طلب منه الرزق والنصر والهداية، وتوكل عليه أو سجد له فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
ومن فضل أحدًا من المشايخ على النبي ﷺ أو اعتقد أن أحدًا يستغني عن طاعة رسول الله ﷺ استتيب فإن تاب وإلا ضربت عنقه، وكذلك من اعتقد أن أحدًا من أولياء الله يكون مع محمد ﷺ كما كان الخضر مع موسى ﵇ فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه؛ لأن الخضر لم يكن من أمة موسى ﵇ ولا كان يجب عليه طاعته بل قال له: (إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلم، وكان مبعوثًا إلى بني إسرائيل -كما قال نبينا ﷺ وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة).
ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين إنسهم وجنهم، فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قلته].
مع أن كل هذه الأعمال التي ذكرها المؤلف أعمال كفرية وشركية تخرج الإنسان عن الإسلام، وتجعله في عداد الوثنية، ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها وأن يرقمها ويجعل تحتها خطًا.
الأمر الأول من الأعمال الكفرية: من اعتقد في بشر أنه إله فهو كافر، فمن اعتقد في أي بشر أنه إله يستحق العبادة فهذا كافر بإجماع المسلمين دون خلاف، وإذا مات على هذا الاعتقاد فهو من أهل النار خالدًا مخلدًا في النار، وكفره أعظم من كفر اليهود والنصارى؛ لأن اليهود والنصارى أهل كتاب خص كفرهم وهذا وثني.
ثانيًا: من دعا ميتًا فإنه يكون كافرًا، ومن قال للميت: يا فلان، ودعاه، وناجاه: أن اشفع لي، حتى ولو نادى الرسول ﷺ، فإذا قال: يا رسول الله! اشفع لي، فهذا كفر وردة، أو قال: أغثني، أو طلب منه الرزق أيضًا، من طلب من شخص ميت الرزق يكون كافرًا، أو طلب من الميت أن ينصره على عدوه يكون كافرًا.
أو طلب منه أن يهديه حتى لو طلب الهداية من الحي، فإذا قال له: اهدني يعني هداية التوفيق والتسديد فقد كفر، أما إذا قال: اهدني إلى الحي يعني اهدني هداية الإرشاد فلا بأس بذلك، وكذلك من توكل على المخلوق أو على ميت يكون كافرًا، أو سجد لحي أو ميت وكل واحد منهم يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه ولا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن مع المسلمين في مقابرهم، وإذا مات على ذلك فهو من أهل النار.
ومن أنواع الكفر أيضًا: من فضل أحدًا من المشايخ على النبي ﷺ.
فمن فضل أحدًا على النبي ﷺ من شيوخ الصوفية وغيرهم واعتقد أنه أفضل من محمد فهذا مرتد كافر إن تاب وإلا قتل، أو اعتقد أن أحدًا يستغني عن طاعة الرسول ﷺ، وقال: لا حاجة لي بطاعة الرسول، فأنا أستغني عن طاعة الرسول.
وإذا قال شخص: أنا أستغني عن طاعة الرسول بطاعة شيخ الطريقة، أو بطاعة ملك من الملوك، أو بطاعة فيلسوف فهذا يصير مرتدًا فإن تاب وإلا قتل.
فلا أحد يستغني عن طاعة الرسول؛ لأن طاعة الرسول طاعة لله.
وكذلك من الأعمال الكفرية: من اعتقد أن أحدًا من أولياء الله يكون مع محمد ﷺ كما كان الخضر مع موسى، فهذا كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرًا.
فموسى ﵊ من أنبياء بني إسرائيل وهو من أولي العزم الخمسة.
ثبت في صحيح البخاري أن رجلًا سأل موسى فقال: (من أعلم الناس؟ فقال: أنا -يعني في زمانه- فعتب الله عليه؛ لأنه لم يرد العلم إليه، فأوحى الله إليه: بلى عبدنا خضر أعلم منك، فقال: يا رب! أين أجده؟ قال: بمجمع البحرين).
وجعل الله له علامة وهي أن يفقد الحوت فإذا فقده وجده، فسافر وذهب معه فتاه يوشع بن نون الذي كان نبيًا بعد وفاته، وقد فتح يوشع بن نون بيت المقدس.
فجلسا مجلسًا فذهب الحوت، ثم انطلقا فلما أحس موسى بالجوع قال: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف:٦٢] فقال: (إني نسيت الحوت)، فقال له موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ [الكهف:٦٤]، فلما ذهب ورجع وجد رجلًا مسجى وسلم عليه، فرفع رأسه وقال: وأنى بأرضك السلام؟! يعني: أن الخضر استغرب منه السلام؛ لأنه في أرض ليس فيها سلام! قال: من أنت؟ قال: أنا موسى.
قال: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم، فقال: لم جئت؟ قال: جئت أتعلم ولتعلمني مما علمك الله.
فقال -كما في بعض الروايات- أو لم تكفك التوراة التي أنزلها الله عليك؟ ثم جلس معه وتعلم، وهذا يدل على أهمية وفضل طلب العلم، فموسى هو كليم الله ومن أولي العزم الخمسة ومع ذلك ذهب يتعلم من الخضر وهو أقل منه فضلًا، لكن الله أعطاه علمًا ليس عند موسى، فجلس موسى يتعلم، قال له الخضر: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٦٧] فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف:٦٩] فذهبا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهما سفينة فأوقفها وهم يعرفونه، فوقفت وركبوا، فركبا في السفينة، فلما ركبا جاء بالقدوم وجعل يكسر السفينة، لقد أركبوهم بدون أجرة؛ لأنهم يعرفون الخضر، فجعل يكسر السفينة حتى خرق السفينة ودخل الماء، فصاح موسى: سبحان الله! ناس أحسنوا إلينا وأركبونا بدون أجرة وتخرب سفينتهم؟ ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا * قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف:٧١ - ٧٣]، فسمح له، ثم جاءت المسألة الثانية وهي أعظم وأعظم، فجعلا يمشيان فمر بغلام يلعب مع الصبيان فاقتلع الخضر رأس الصبي ورماه في الشارع، فصاح موسى: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾ [الكهف:٧٤]، قال: هذا أمر عظيم كيف أصبر عليه، فشدد عليه الخضر قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ﴾ [الكهف:٧٥] الأولى قال: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ﴾ [الكهف:٧٢] وهذه أكدها بـ (لك)، ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٥] قال: هذه آخر مرة، فإن اعترضت عليك مرة أخرى نتفارق.
فلما ذهبا إلى بلدة فيها جماعة من الناس لؤماء ردوهم ولم يعطوهم الضيافة، فجاء على جدار يكاد أن يسقط فجعل يبنيه، وبنى سوى الجدار وعمله بدون أجرة فاعترض عليه موسى فقال: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف:٧٨] كما قص الله علينا في القرآن.
والشاهد أن موسى يتعلم ممن هو أقل منه في المكانة، وقد اختلفوا في الخضر هل هو نبي أو عبد صالح؟ والصواب أنه نبي، والجمهور على أنه عبد صالح.
والخضر له شريعة مستقلة؛ لأنه يوحى إليه، وموسى له شريعة تختلف عن شريعة الخضر، إذًا: فـ الخضر غير مأمور باتباع موسى في شريعته؛ لأن موسى لم يُرسل إلى الخضر وإنما أُرسل إلى بني إسرائيل وهم قومه، والخضر خرج عن شريعة موسى ويجوز له ذلك؛ لأن شريعة موسى ليست عامة.
يقول المؤلف ﵀: كذلك من اعتقد أن أحدًا من الأولياء يكون مع محمد ﵊ كما كان الخضر مع موسى -يعني: يخرج عن شريعته- فإنه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
فلو قال شخص: أنا لا ألتزم بشريعة محمد كـ الخضر عندما لم يلتزم بشريعة موسى، فنقول لمن يقول هذا الكلام: أنت كافر؛ لأن الخضر خرج عن شريعة موسى ولم يكفر به، فهناك فرق بين حالك مع محمد، وبين حال الخضر مع موسى، فالأمر الأول أن شريعة موسى ليست عامة إلى الثقلين بل هي خاصة لبني إسرائيل، ومحمد شريعته عامة، فليس لك أن تخرج عنه.
ثانيًا: الخضر نبي يوحى إليه، وأنت لست نبيًا، فمن زعم أنه يجوز له الخروج عن شريعة محمد كما أنه جاز للخضر الخروج عن شريعة موسى فهو مرتد، يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرًا.
ولهذا بين المؤلف ذلك فقال: لأن الخضر لم يكن من أمة موسى ﵊ وما كان يجب عليه طاعته بل قال الخضر لموسى: إني على علم من الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه.
وكان موسى مبعوثًا إلى بني إسرائيل كما قال نبينا ﷺ: (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة).
ومحمد ﷺ مبعوث إلى جميع الثقلين إنسهم وجنهم، فمن اعتقد أنه يسوغ لأحد الخروج عن شريعته وطاعته فهو كافر يجب قتله.

12 / 4