304

Sharḥ al-uṣūl al-khamsa

شرح الأصول الخمسة

إن إثبات محدث في الغائب ينبني على إثبات محدث في الشاهد ، وأنتم لا تثبتون في الشاهد محدثا ، فكيف أثبتم في الغائب محدثا حتى استدللتم بكلامه واحتججتم به؟

وأيضا فإن صحة السمع تنبني على كون القديم تعالى عدلا حكيما لا يكذب لا يظلم ، وأنتم قد جوزتم على الله ما هو أظهر وأعظم ، فكيف يمكنكم الاستدلال بالسمع على هذه المسألة ، ولأنا لم نعرف هذه المسألة ، لا يمكننا أن نعرف صحة السمع ، وكل مسألة هذا سبيلها فالاستدلال عليها بالسمع متعذر.

ووجه آخر في منعهم عن الاستدلال بهذه الآيات ، أنها لا توافق مذهبهم في هذا الباب. لأن في الآية الأولى أن في الواقعات ما لا يريده الله تعالى ، ألا ترى إلى قوله : ( ولو شاء الله ما اقتتل ) [البقرة : 253] وهذا ينبئ عما ذكرناه ، وذلك يقدح فيما أصلوه من أنه تعالى مريد لذاته.

وكذلك ففي الآية الثانية لفظ : أن ، وأن إذا دخلت على الفعل المضارع أفدت الاستقبال ، وذلك يوجب أن لا يكون كان القديم تعالى مريدا فيما لم يزل ، فلا بد من تأويل ، فنتأولها على وجه يوافق دلالة العقل ، ونقول : إن المراد بالمشيئة المذكورة في هذه الآيات مشيئة الإلجاء والإكراه ، ولها نظائر في كتاب الله عز وجل ، قوله تعالى : ( إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4)) [الشعراء : 4] وقال أيضا : ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (99)) [يونس : 99] مبينا على أنه لو شاء أن يكرههم على الإيمان ويحملهم على ذلك أمكنه غير أنه أمهلهم ووكلهم إلى اختيارهم ، حتى إن أحسنوا الاختيار بأنفسهم استحقوا من الله الكرامة ، وإن أساءوا الاختيار استحقوا الإهانة ، فيبقى التكليف ولا يبطل الاستحقاق أصلا ورأسا.

** الاستدلال بالقرآن على عكس قولهم

ثم بعد هذه الجملة نعارضهم بما في كتاب الله تعالى مما يدل على فساد مذهبهم في هذا الباب ، وهو قوله : ( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ) [الأنعام : 148] وحسبك هي دلالة في هذا الباب. قال تعالى حاكيا عنهم : ( سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم ) [الأنعام : 148] الآية. حكى الله تعالى صريح مذهب هؤلاء القوم عن المشركين ، ثم كذبهم بقوله : ( كذلك كذب الذين من قبلهم )، وقال بعده ( حتى ذاقوا بأسنا ) والبأس هو

Page 320