Sharḥ al-uṣūl al-khamsa
شرح الأصول الخمسة
** شبه المخالفين
والقوم يتعلقون في هذا الباب بشبه.
** ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس
من جملتها ، قوله تعالى : ( ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) [الأعراف : 179] ووجه تعلقهم به هو أنهم يقولون : إن هذه اللام لام الغرض ولها نظائر كبيرة في اللغة فظاهر الآية يقتضي أنه تعالى خلق كثيرا من الجن والإنس ليعاقبهم في نار جهنم ، ولن يكون كذلك إلا ويريد منهم ما استوجبوا به لعقوبة ، وفي ذلك ما نريده.
والأصل في الجواب عن ذلك ، أن أول ما في هذا أنه لا يمكنكم الاستدلال بالسمع ، لأن صحة السمع تنبني على كونه تعالى عدلا حكيما ، وأنتم لا تقولون بذلك بل سددتم على أنفسكم طريقة العلم بإثبات الصانع على ما مر فكيف يمكنكم الاحتجاج به؟ ثم نقول : قولكم أن هذه اللام لام الغرض لا يصح ، لأن لام الغرض مما لا يدخل في الأسماء الجامدة وإنما تدخل على المصادر والأفعال المضارعة ، وعلى هذا لا يقال : دخلت بغداد للسماء والأرض كما يقال دخلت بغداد للعلم أو لطلب العلم ، وجهنم اسم جامد ، فكيف تدخله لام الغرض؟
ومتى قالوا : الغرض به المعاقبة بجهنم كان ذلك عدولا عن الظاهر ، وإذا عدلوا عن الظاهر فليسوا بالتأويل أولى منا فنتأوله على وجه يوافق دلالة العقل والسمع ، فنقول : إن هذه اللام لام العاقبة ، ولها نظائر كثيرة في القرآن وفي اللغة ، قال الله تعالى : ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ) [القصص : 8] ، ومعلوم أنهم لم يلتقطوه لهذا الوجه بل التقطوه ليكون لهم قرة عين على ما حكى الله تعالى عنهم ذلك بقوله : ( وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه ) [القصص : 9] وقوله : ( ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك ) [يونس : 88] وعاقبتهم يضلون عن سبيلك وقوله : ( إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) [آل عمران : 178] أي وعاقبتهم أن يزدادوا إثما قال الشاعر :
له ملك ينادي كل يوم
لدوا للموت وابنوا للخراب
وقال آخر :
وللموت تغذوا الوالدات سخالها
كما لخراب الدهر تبنى المساكن
Page 312