201

Sharḥ al-qawāʿid al-sabʿ min al-Tadmuriyya

شرح القواعد السبع من التدمرية

من يقول في بعض الصفات: الظاهر مراد أو ليس بمراد يلزمه ذلك في جميع الصفات
قال المصنف ﵀: [وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع، فإن الله تعالى لما أخبر أنه بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، واتفق أهل السنة وأئمة المسلمين على أن هذا على ظاهره، وأن ظاهر ذلك مراد -كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا، وقدرته كقدرتنا].
ولذلك إذا قيل: هل الأصل أن يقال: إن ظاهر النصوص مراد أم ليس مرادًا؟ قيل -مع القول بأن هذا الكلام دخله إجمال باستعمال بعض الطوائف له-: الأصل أن يقال: إن ظاهر النصوص مراد، وقد سبق أن أشير إلى أن كلمة (الظاهر) لم يأتِ ذكرها على هذا الوجه، وإنما جاء في القرآن مثل قول الله تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ [الأنعام:١٢٠] أما المستعملون للظاهر وما يقابله فهم درجات: فمنهم من يستعمل الظاهر ويجعل المؤول مقابلًا له، وهذا هو استعمال جملة المتكلمين لكلمة الظاهر، أما الباطنية فإنهم يجعلون الباطن مقابلًا للظاهر.
وقد وقع في كلام الإمام الشافعي أن قال في رسالته: "إن بعض الأدلة تدل على حكم ظاهر، فيكون الحكم المحصل منها حكمًا ظاهرًا، وبعض النصوص إذا قضت بحكم كان هذا الحكم ظاهرًا وباطنًا".
وكلام الشافعي ﵀ ليس هو من باب المشاكلة لكلام الباطنية وما إلى ذلك، إنما مقصود الشافعي: أنه إذا قيل عن حكم بأنه واجب، وأن دليله من القرآن كذا وكذا، كمسألة شرعية، فإذا كانت الدلالة قطعية صريحة فإنه يقال: إن هذا الحكم ظاهرًا وباطنًا.
وقوله: (ظاهرًا) أي: أن هذا هو نظرنا واجتهادنا، و(باطنًا) أي: أننا نقطع ونعلم أن هذا الحكم هو في نفس الأمر عند الله تعالى، فمثلًا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران:٩٧] قال الشافعي: إن حج البيت الحرام واجب، وهذا هو الحكم المأخوذ من الآية ظاهرًا، أي: بنظرنا في الآية، وهو باطنًا، أي: أنه يعلم أن الحكم عند الله في نفس الأمر أن الحج واجب.
لكن قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] قد اختلف العلماء في المراد بالقرء، فمنهم من فسره بالطهر، ومنهم من فسره بالحيض، فيقال: إن هذا الحكم حكم ظاهر؛ لأنه اجتهاد المجتهد، ولكن لا يقطع بأنه الباطن، أي: الحكم في نفس الأمر.
فهذا هو مقصود الشافعي: أن دلالة الآيات والأحاديث تكون على وجهين: فإما أن يقال: إن الحكم ظاهر باطن، وإما أن يقال: إن الحكم ظاهر، ولا يجزم بأنه باطن، وليس هذا من باب مشاكلة الباطنية في كلامهم.
قال ﵀: [وكذلك لما اتفقوا على أنه حي حقيقة، عالمٌ حقيقة، قادرٌ حقيقة، لم يكن مرادهم أنه يكون مثل المخلوق الحي الذي هو حي عليم قدير، فكذلك إذا قالوا في قوله: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ [المائدة:٥٤] ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [المائدة:١١٩] وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤] إنه على ظاهره، لم يقتض ذلك أن يكون ظاهره استواء كاستواء المخلوق، ولا حبًا كحبه، ولا رضًا كرضاه].
وهذا يرجع إلى أن القول في بعض الصفات كالقول في البعض الآخر؛ بمعنى: أن من طرأت له شبهة في صفة من الصفات، فإنه يرد ذلك إلى صفات أخرى محكمة لم تدخل عليها شبهة، أي: محكمة عنده، لم تدخل عليه فيها شبهة، فمن كانت عنده شبهة في صفة النزول، رد ذلك إلى صفة العلم، وصفة العلو، وغيرها من الصفات، فإذا ما بان له أن هذا الباب محكم، وسلم بإحكامه؛ قيل: إن باب الصفات باب واحد.
قال ﵀: [فإن كان المستمع يظن أن ظاهر الصفات تماثل صفات المخلوقين؛ لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادًا، وإن كان يعتقد أن ظاهرها هو ما يليق بالخالق ويختص به، لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادًا إلا بدليل يدل على النفي].
هذا نتيجة البحث السابق: أن ظاهر النصوص مراد أم ليس مرادًا، فيقال: الأصل أن يقال: إن ظاهر النصوص مراد، لكن هذه الجملة لما استعملها من استعملها على معنى من الاشتراك المجمل، وضمنوها بعض المعاني الباطلة، احتيج إلى الاستفصال في بعض مقامات ذكرها.
قال ﵀: [وليس في العقل ولا في السمع ما ينفي هذا إلا من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحدًا].
أي: أنه لا يجوز في العقل ولا في السمع أن يختص السمع أو العقل بنفي صفة معينة دون غيرها؛ بل إذا فرض أن السمع يدل على النفي؛ لزم أن يدل على نفي سائر الصفات، وإذا فرض جدلًا أن العقل يدل على النفي؛ لزم أن يكون دالًا على نفي سائر الصفات، ومعلوم أنه يمتنع أن يكون العقل -فضلًا عن السمع- دالًا على نفي سائر الصفات، فإذا علم هذا الامتناع؛ علم امتناع التأويل لصفة من الصفات؛ لأن الشرع جاء بإثبات الصفات، فإذا علم امتناع اطراد النفي لصفات الله في الشرع وفي العقل؛ علم من هذا الامتناع امتناع النفي لصفة واحدة، فإن القول في سائر الصفات كالقول في آحادها.

16 / 9