Sharḥ al-Jāmiʿ al-Ṣaḥīḥ
شرح الجامع الصحيح
قوله:« هل ترون قبلتي هاهنا»؟ هو استفهام إنكار لما يلزم منه، أي تظنون أني لا أرى فعلكم لكون قبلتي لهذه الجهة، لأن من استقبل شيئا استدبر ما وراءه. لكن بين صلى الله عليه وسلم أن رؤيته لا تخص بجهة واحدة، وقد اختلف في معنى ذلك، فقيل: المراد بها العلم إما أن يوحى إليه كيفية فعلهم، وإما أن يلهم ذلك. //<1/431>وقيل: المراد أنه يرى من عن يمينه ومن عن يساره ممن تدركه عينه، مع التفات يسير في النادر من غير قصد، ويوصف من هناك بأنه وراء ظهره. وحمله آخرون على ظاهره لما في رواية عند مسلم " أني والله لأبصر من وراءي كما أبصر من بين يدي" وقالوا: إن الإبصار إدراك حقيقي خاص به صلى الله عليه وسلم خرقت له فيه العادة ، ثم اختلفوا فمنهم من قال: يجوز أن يكون ذلك الإدراك برؤية عينه، فكان يرى بها من غير مقابلة، وهذا خلاف ما يقتضيه العقل. وقيل: كانت له عين خلف ظهره يرى بها من ورائه دائما. وقيل: كان بين كتفيه عينان مثل سم الخياط يبصر بهما لا يحجبهما ثوب ولا غيره وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته، كما تنطبع في المرآة، فيرى أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم. وهذه الأقوال كلها محتاجة إلى نقل صحيح، وليس لهم على ذلك نقلن، فهو محض تكلف على أنه لوثبت ما ذكروه من زيادة العين أو العينين في خلقته صلى الله عليه وسلم، لكان ذلك من أعظم معجزاته عليه الصلاة السلام، ولذكروه في جملة خصائصه، كما ذكروا خاتم النبوءة بين كتفيه، وجعلوا ذلك من علامات نبوءته، وإذا ظهر لك ضعف هذه الأقوال، ظهر لك ترجيح قول من قال: إن المراد بالرؤية هاهنا العلم، إما بكشف أو بوحي، ويدل عليه قوله: « فوالله ما يخفى علي خشوعكم ولا ركوعكم » فإن ضد الخفاء الظهور، فكأنه قال: ما يخفى علي ذلك بل يظهر لي بالعلم الإلهي، ولا يشكل عليك.
Page 35