Sharḥ al-Jāmiʿ al-Ṣaḥīḥ
شرح الجامع الصحيح
قوله:« وعمود الصلاة الخشوع» هذا يدل على وجوب الخشوع في الصلاة وأنه أعظم أركانها وأنه لا بد منه في أدائها حتى لو خلت منه تهدمت كالبيت الذي لا عمود له، والخشوع الواجب أن يقبل الإنسان على صلاته بقلبه ونيته ويريد بذلك وجه الله، ويكون ساكن الجوارح من أول الصلاة إلى آخرها، ولا بأس عليه بما يخطر على قلبه من الغفلة والوساوس إذا لم يتعرض لجلبه، فإن تنبه له دفعه، وعلى هذا يكون حاله. فإذا امتثل ذلك كان خاشعا مؤديا للواجب ولا طاقة له بما فوق ذلك ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وهذا الذي أشرنا إليه لا ينبغي أن يختلف في وجوبه فما حكاه النووي من الإجماع على أن الخشوع غير واجب محمول عندي _ إن صح _ على وجوب حضور القلب دائما حتى لا تطرقه غفلة ولا تخطر عليه وسوسة، ومن المعلوم أن هذا أمر لا يطاق ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وهو موضع الإجماع على عدم وجوبه. وقيل: يشترط منه ما ينطلق عليه الاسم <1/430> ولو في لحظة واحدة، وأن أولى اللحظات بذلك تكبيرة الإحرام، لأن حضور القلب روح الصلاة وأن أقل ما يبقى به رمق الروح الحضور عند تكبيرة الإحرام والنقصان منه هلاك؛ فبقدر الزيادة ينبسط الروح في أجزاء الصلاة، وكم من حي لا حراك به قريب من ميت، فصلاة الغافل في جميعها إلا عند التكبير كحي لا حركة به. قلت: وهذا القول يقضي بفساد الصلاة لمن لم يحضر قلبه عند الإحرام دون الغافل في سائرها. وحاصله التشديد في الحضور عند الإحرام بتعين الخشوع عنده في ذلك الموضع دون سائر المواضع ،فهو يوافق في وجوب الخشوع ويزيد في تعيين موضعه فلا تظنن أنه يرخص في التساهل في باقي الصلاة، فإنه لا يرخص في ذلك وإنما يعذر الغافل من غير تساهل في سائر الصلاة كما نعذره نحن ويزيد على ذلك القول بفساد صلاته إن حصلت الغفلة عند الدخول في الصلاة، وهو ظاهر الصواب ولا محيد عنه فإن الدخول فيها لا يمكن إلا بالقصد ولا قصد لغافل عنها والله أعلم .
Page 33