452

قوله: «فإني نظرت»: تعليل للرد، و في ذكره تطييب لخاطر أبي جهم حين يعلم علة الرد، و العلم بفتحتين: ما يكون في الثوب من طراز وغيره، وفيه إشارة إلى كراهة الأعلام التي يتعاطاها الناس على لباسهم. قوله: «فكاد أن يفتنني»: بفتح أوله من الثلاثي أي: يشغلني عن خشوع الصلاة، وفيه أن الفتنة لم تقع؛ فإن كاد تقتضي القرب و تمنع الوقوع؛ ولذا قال بعض العلماء: لا يخطف البرق بصر أحد، لقوله تعالى: {يكاد البرق يخطف أبصارهم} [البقرة:20] و لذا أول قوله في رواية الصحيحين: «فإنها ألهتني عن الصلاة» بأن المعنى: قاربت أن تلهيني، فإطلاق ألهى مبالغة في القرب، لا لتحقق وقوع الإلهاء، و في الحديث من الفقه قبول الهدايا، و كان صلى الله عليه وسلم يقبلها ويأكلها،<1/393> والهدية مستحبة ما لم يسلك بها طريق الرشوة، لدفع حق، أو تحقيق باطل، أو أخذ على حق يجب القيام به. وإن الواهب إذا ردت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله قبولها إلى كراهة؛ و أن كل ما يشغل المرء في صلاته، ولم يمنعه من إقامة فرائضها ،و أركانها، لا يفسدها، ولا يوجب عليه إعادتها، ومبادرته صلى الله عليه وسلم إلى مصالح الصلاة، ونفي ما لعله يحدث فيها. وأما بعثه بالخميصة إلى أبي جهم، فلا يلزم منه أن يلبسها في الصلاة، و مثله، قوله في حلة عطارد حيث بعث بها إلى عمر: «إني لم أبعث بها إليك لتلبسها»؛ ويحتمل أن يكون من جنس قوله: «كل، فإني أناجي من لا تناجي». و قال الطيبي: فيه إيذان بأن للصور و الأشياء الظاهرة تأثيرا في القلوب الطاهرة، والنفوس الزكية، يعني: فضلا عمن دونها.

Page 484