347

قوله: «وأمر» بالبناء لما لم يسم فاعله، أي: أمره الله بذلك، وقد وقع الخلاف في أول صلاة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتحول فيها إلى الكعبة. ففي الترمذي من حديث البراء بلفظ: "فصلى رجل معه العصر" وساق الحديث، وهو مصرح بذلك في رواية البخاري من حديث البراء، وليس عند مسلم تعيين الصلاة من حديث البراء. في حديث عمارة بن أوس "أن التي صلاها النبيء صلى الله عليه وآله وسلم إلى الكعبة إحدى صلاتي العشاء"، وهكذا في حديث عمارة بن رويبة وحديث تويلة، وفي حديث أبي سعيد ابن المعلى: "أنها الظهر"، وجمع بين هذه الروايات بأن من قال إحدى صلاتي العشاء شك هل هي الظهر أو العصر، وأن من جزم اختلفوا، فقال بعضهم: الظهر، وبعضهم: العصر؛ فاحتجنا إلى الترجيح؛ فرجحت رواية العصر لثقة رجالها، وإخراج البخاري لها في صحيحه، وأما رواية الظهر ففي إسنادها مروان بن عثمان وهو مختلف فيه؛ فظهر أنها العصر على الأرجح. وأما موضع التحول فقال بعضهم: إن ذلك كان بمسجد المدينة، ويقال: صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين من الظهر في مسجده بالمسلمين، ثم أمر أن يوجه إلى المسجد <1/308> الحرام فاستدار إليه وكان معه المسلمون، وعلى هذا فيكون المعنى برواية البخاري أنها العصر، أي: أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة كاملة صلاة العصر، وعلى هذا فليس لأهل قباء خصوصية في الاستدارة، ومشهور الرواية تقتضي اختصاصهم بذلك؛ لكن وقع في حديث أنس عند أحمد ومسلم وأبي داود ما يقتضي تعدد الواقعة، فإنه ذكر أن رجلا من بني سلمة مر عليهم وهم ركوع في صلاة الفجر، وقد صلوا ركعة، فنادى ألا إن القبلة قد حولت فمالوا كما هم نحو القبلة وبنو سلمة غير أهل قباء.

Page 377