Sharḥ al-Jāmiʿ al-Ṣaḥīḥ
شرح الجامع الصحيح
قوله: «إن الشمس والقمر آيتان» أي علامتان على وجود الصانع المختار، ونفوذ إرادته، وكمال قدرته. واستنبط بعضهم من عطف القمر على الشمس أن الصلاة عند خسوفه مشروعة كما شرعت عند كسوفها، وأن الحكم في ذلك واحد. وعن الحسن البصري قال: خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة، فخرج فصلى بنا ركعتين في كل ركعة ركعتين، ثم ركب، وقال: "إنما صليت كما رأيت النبيء صلى الله عليه وسلم يصلي" رواه الشافعي في مسنده. وتعقب بأن الشافعي رواه عن شيخه إبراهيم بن محمد وهو ضعيف ولا يحتج بمثله، وقول الحسن: صلى بنا لا يصح، لأن الحسن لم يكن بالبصرة لما كان ابن عباس بها، وقيل: إن هذا من تدليساته، وأن المراد من قوله: صلى بنا، أي صلى بأهل البصرة.
قوله: «لموت بشر» إنما قال صلى الله عليه وسلم ذلك لأن ابنه إبراهيم مات، فقال الناس: إنما كسفت الشمس لموت إبراهيم، وفي هذا الحديث إبطال ما كان أهل الجاهلية يعتقدونه من تأثير الكواكب. قال الخطابي: كانوا في الجاهلية يعتقدون أن الكسوف يوجب حدوث تغير في الأرض من موت أو ضرر؛ فأعلم النبيء صلى الله عليه وسلم أنه اعتقاد باطل، وأن الشمس والقمر خلقان مسخران لله تعالى ليس لهما سلطان في غيرهما، ولا قدرة لهما على الدفع عن أنفسهما.
قوله: «ولا لحياته» هذا مبالغة في إنكار التأثير الذي زعمته الجاهلية؛ فإن فيه دفعا لتوهم من يقول لا يلزم أن نفي كونه سببا للفقد أن لا يكون سببا للإيجاد، فعم الشارع النفي لدفع هذا التوهم.
قوله: «فاذكروا الله» فيه الندب إلى الدعاء <1/286> والذكر والاستغفار عند الكسوف؛ لأنه مما يدفع الله تعالى به البلاء. وجاء في حديث عن عائشة مرفوعا: "فإذا رأيتم ذلك، فادعوا الله وكبروا وتصدقوا وصلوا". ومنهم من حمل الذكر والدعاء على الصلاة لكونهما من أجزائها، وفيه نظر؛ لأنه قد جمع بين الذكر والدعاء وبين الصلاة في حديث عائشة المذكور.
Page 347