233

وأراد بقوله: «وفي رواية أخرى»: أي: عند أبي عبيدة بهذا السند والعلم عند الله تعالى، ويفهم من الروايتين أن ما دون القلتين مخالف لما فوقهما في هذا الحكم، فيحتمل الخبث، ويتنجس بملاقاة النجس، فيكون هذا المفهوم مخصصا لعموم الحديث الأول، فينجس القليل من الماء بملاقاة النجاسة وإن لم يتغير شيء من أوصافه، وهو قول جمهور أصحابنا، ونسب إلى ابن عمر ومجاهد والشافعية والحنفية وأحمد بن حنبل وإسحاق وبعض أهل البيت، وقيل: لا ينجس الماء بما لاقاه ولو كان قليلا إلا إذا تغير، وقد ذهب إلى ذلك بن عباس وأبي هريرة وجابر ابن زيد والحسن البصري وأبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة وهاشم بن عبد الله الخراساني، ونسب إلى سعيد بن المسيب وعكرمة وابن أبي ليلى والثوري وداود الظاهري والنخعي ومالك والغزالي، ومنشأ الخلاف تعارض العموم والمفهوم، فحديث لا ينجسه شيء يدل بعمومه على عدم خروجه عن الطهارة بمجرد ملاقاة النجاسة، وحديث القلتين يدل بمفهومه على خروجه عن الطهورية بملاقاتها، فمن أجاز التخصيص بمثل هذا المفهوم، قال به في هذا الموضع، ومن منع منه منعه هاهنا أيضا، ويؤيد الأخذ بالمفهوم في هذا الموضع قوله تعالى: {والرجز فاهجر}[المدثر:5]، وخبر الاستيقاظ، وخبر الولوغ، وحديث: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم"، وقد بسطنا أدلة القولين في معارج الآمال فراجعه، ثم أن نفس التقدير بالقلتين لا تقبل النجاسة، بل يدفعها عن نفسه، ولو كان المعنى أنه يضعف عن حملها لم يكن للتقييد بالقلتين معنى، فإن ما دونهما أولى بذلك، والحديث يدل على قدر القلتين لا ينجس بملاقاة النجاسة، وكذا ما هو أكثر من ذلك بالأولى، ولكنه مخصص <1/216>أو مقيد بحديث: "إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه"، فكل واحد من الحديثين مخصص للآخر من جهة والله أعلم.

Page 256