Sharḥ al-Jāmiʿ al-Ṣaḥīḥ
شرح الجامع الصحيح
و قد حكى الإسكان أبو زيد وابن درير وغيرهما، وهما لغتان، وحكى ابن الأثير أن« الفرق»: بالفتح ستة عشر رطلا، وبالإسكان مائة وعشرون رطلا، قال ابن حجر: وهو غريب، وقال الربيع: «الفرق»: مكيال أهل الحجاز؛ وهو ستة عشر رطلا، وفي صحيح مسلم عن سفيان بن عيينة هو: ثلاثة أصوع، قال النووي وكذا قال الجماهير، وقيل: «الفرق»: صاعان، ورد بأنه نقل الاتفاق على أن الفرق ثلاثة أصوع، وعلى أن الفرق ستة عشر رطلا، ولعله يريد اتفاق أهل اللغة، واغتساله صلى الله عليه وسلم من الفرق كان في بعض الأحيان أو في غالبها كما يشعر به قول عائشة «كان يغسل» فإن في هذه العبارة ما يشعر باستمرار ذلك، فيحمل ما سواها على خلاف الغالب، وقد جاء عن سفينة قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع ويتطهر بالمد، وعن أنس قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمد " رواه أحمد والبخاري ومسلم، وفيه دلالة على أن الصاع ليس بحد للغسل لا يجتزى بما دونه، وأن المد ليس بحد في الوضوء لا يجتزى بما دونه،كما قيل بذلك، بل القدر المجزي من الغسل ما يحصل به تعميم البدن على الوجه المعتبر سواء كان صاعا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في النقصان إلى مقدار لا يسمى مستعمله مغتسلا، وفي الزيادة إلى مقدار يدخل فاعله في حد الإسراف، وهكذا الوضوء فإن القدر المجزي منه ما يحصل به غسل أعضاء الوضوء سواء كان مدا أو أقل أو أكثر ما لم يبلغ في الزيادة إلى حد السرف أو النقصان إلى حد لا يحصل به الواجب، وجاء <1/199> أنه صلى الله عليه وسلم توضأ بنحو ثلثي مد، وجاء أيضا أنه توضأ بنصف مد، وجاء أيضا عن عائشة أنها قالت: "اغتسلت أنا والنبي صلى اله عليه وسلم بصاع ونصف يقول: أبقي لي، وأقول: أبق لي"، فإنه يقع لكل واحد من المغتسلين دون الصاع فيبطل التقدير، والأحاديث تدل على كراهة الإسراف في الماء للغسل والوضوء واستحباب الاقتصار، وقد أجمع العلماء على النهي عن الإسراف في الماء ولو كان على شاطئ النهر، واختلفوا في صفة هذه الكراهية، فقيل: كراهية تحريم، وقيل: تنزيه.
ماجاء في نهي الجنب أن يغتسل في الماء الدائم، والنهي عن الوضوء بفضل المرأة
قوله: «أن يغتسل في الماء الدائم»: وهو الراكد الذي لا يجري، وعند مسلم وابن ماجة من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم وهو جنب"، فقالوا: يا أبا هريرة كيف يفعل؟ قال: يتناوله تناولا، وقد اختلفوا في حكمة النهي، فظاهركلام الإيضاح بل صريحه خوف التنجيس، وحمل النهي على ما دون القلتين، وكلام غيره يدل أن الحكمة في ذلك خوف تقديره فقط، فإنه إذا اغتسل فيه صار مستقذرا في الطباع وإن كان طاهرا، وكذا القول في التوضي فيه، واستدل به على أن الماء المستعمل يخرج عن كونه أهلا للتطهير؛ لأن النهي هاهنا عن مجرد الغسل، فدل على وقوع المفسدة بمجرده، وحكم الوضوء حكم الغسل في هذا المعنى لأن المقصود التنزه عن التقرب إلى الله تعالى بالمستقذرات، والوضوء قد يقذر الماء كما يقذره الغسل.
Page 236