Sharḥ al-Iqtiṣād fī al-Iʿtiqād
شرح الاقتصاد في الاعتقاد
Genres
•Rhetorical Sciences
Regions
•Saudi Arabia
خلاف العلماء في عدد مرات الإسراء والمعراج وكيفيته
قال الحافظ ﵀: [وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار: أن رسول الله ﷺ أسري به إلى فوق سبع سموات ثم إلى سدرة المنتهى، أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسجد بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء بجسده وروحه جميعًا، ثم عاد من ليلته إلى مكة قبل الصبح، ومن قال: إن الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة فقد غلط، ومن قال: إنه منام، وأنه لم يسر بجسده فقد كفر.
قال الله ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء:١].
وروى قصة الإسراء عن النبي ﷺ أبو ذر وأنس بن مالك ومالك بن صعصعة وجابر بن عبد الله وشداد بن أوس وغيرهم.
كلها صحاح مقبولة مرضية عند أهل النقل مخرجة في الصحاح].
انتقل المؤلف ﵀ من الكلام على القضاء والقدر إلى مبحث الإسراء والمعراج.
والإسراء معناه في اللغة: السفر ليلًا.
وشرعًا: هو الإسراء بنبينا محمد ﷺ، أو السفر ليلًا بنبينا ﷺ على البراق صحبة جبرائيل من مكة إلى بيت المقدس.
وأما المعراج: فهو مفعال من العروج، وهو صعود نبينا ﷺ ليلًا من بيت المقدس إلى السماء بصحبة جبرائيل، والمعراج آلة كالسلم صعد ﷺ عليها ومعه جبرائيل حتى وصل إلى السماء ودخل السموات، وانتقل من سماء إلى سماء؛ حتى وصل إلى سدرة المنتهى.
يقول المؤلف ﵀: وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار أن رسول الله ﷺ أسري إلى فوق سبع سموات ثم إلى سدرة المنتهى، أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى مسجد بيت المقدس، ثم عرج به إلى السماء.
والمؤلف هنا ﵀ أدمج الإسراء في المعراج، وأن رسول ﷺ أسري به إلى فوق، فهو أسري به أولًا من مكة إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى فوق، فأدمج المؤلف ﵀ الإسراء بالمعراج، وقال: أسري به إلى فوق، وهو أسري به أولًا من المسجد الحرام إلى بيت المقدس، ثم عرج به إلى فوق سبع سموات، ثم إلى سدرة المنتهى.
ثم عاد المؤلف ﵀ فقال: أسري به ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وهو مسجد بيت المقدس، ثم عرج به، ثم عرج به إلى السماء بجسده وروحه جميعًا، ثم عاد من ليلته قبل الصبح.
وهذا هو الصواب التي تدل عليه النصوص، والذي أجمع عليه أهل السنة والجماعة، وذلك أن النبي ﷺ أسري به في الليل من مكة إلى بيت المقدس، والله تعالى بين ذلك في القرآن العظيم، قال سبحانه: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الإسراء:١] ومن أنكر الإسراء فقد كفر؛ لأنه مكذب لله، ومن كذب الله كفر، إلا إذا لم يعلم بحيث كان مثله يجهل هذا، فهذا يبين له النص، وأن الله أخبر في القرآن أن الله أسرى بنبيه ﷺ ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فإن أصر كفر؛ لأنه كذب الله، ومن كذب الله كفر.
وأما المعراج؛ فإنه جاء في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي ﷺ وهي في الصحاح وفي غيرها، والإسراء والمعراج كما ذكر المؤلف ﵀ في ليلة واحدة، وهذا هو الصواب، فقد أسري به أولًا من مكة إلى بيت المقدس، وجمع له الأنبياء هناك وصلى بهم إمامًا قدمه جبرائيل فظهر فضله ﵊، ثم عرج به إلى السماء.
وقال بعض العلماء: إن الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة، وهذا قول ضعيف.
والصواب: أن الإسراء والمعراج بجسده وروحه يقظة لا منامًا، مرة واحدة، هذا هو الصواب الذي تدل عليه النصوص، ومن أقوى الأدلة قول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء:١] ووجه الدلالة: أن العبد اسم لمجموع الروح والجسد، فالصواب أن الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، وأنه أسري به ﵊ بجسده وروحه مرة واحدة.
وقال آخرون من أهل العلم: إن الإسراء كان بروحه دون جسده، وهذا مروي عن عائشة ومعاوية ﵃.
وقال آخرون من أهل العلم: إن الإسراء كان منامًا.
وقال آخرون من أهل العلم: إن الإسراء كان مرارًا، مرة يقظة ومرة منامًا.
وقال آخرون: أن الإسراء كان مرارًا، مرة قبل الوحي ومرة بعده.
وهذه كلها أقوال ضعيفة، والصواب القول الأول: وهو أن الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، وأن الإسراء والمعراج كان بروحه وجسده ﵊، وأنه كان يقظة لا منامًا، وأنه كان مرة واحدة لم يتعدد، وهناك فرق بين من قال: إن الإسراء كان منامًا، ومن قال: إن الإسراء كان بروحه.
فالقائلون: إن الإسراء كان بروحه، قالوا: إن الروح هي التي عرج بها وجسده باق ﵊، ولكن عرج بروحه، وهذا الاستقلال بالروح من خصائص النبي ﷺ، وإلا فإن غيره لا تنال روحه الاستقلالية.
وأما الذين قالوا: إن الإسراء كان منامًا، فقالوا: إن الروح والجسد لم يعرج بهما، فالروح والجسد باقيان في مكة، ولكن الملك ضرب الأمثال للنبي ﷺ فتكون الصورة المعلومة في صورة تأخذ شكل الصورة المحسوسة، ومنام الأنبياء وحي كما قال الله تعالى عن نبيه إبراهيم أنه قال لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ﴾ [الصافات:١٠٢].
والذين قالوا: إن الإسراء كان منامًا استدلوا بحديث شريك بن أبي نمر في الصحيحين وفي غيرهما وفي بعض ألفاظه أنه قال لما ذكر قصة الإسراء والمعراج: (ثم استيقظت وأنا في المسجد الحرام).
استدلوا بهذه اللفظة: (ثم استيقظت).
قالوا: إن الإسراء كان منامًا، ولكن شريك بن أبي نمر غلطه الحفاظ في ألفاظه من حديث الإسراء، ولهذا لما روى الإمام مسلم ﵀ الحديث الشريف قال بعده: فزاد ونقص وقدم وأخر، يعني: شريك بن أبي نمر فهو له أغلاط وأوهام، وإن كان الحديث في الصحيحين، لكن هذه أغلاط وأوهام في بعض الألفاظ، وفي بعضها: (وكان ذلك قبل الوحي) وهذه من أغلاطه أيضًا، والصواب أن الإسراء والمعراج بعد الوحي وبعد النبوة، وكان في مكة قبل الهجرة بسنة أو بسنتين أو بثلاث على خلاف.
فهذه أقوال: قيل: إن الإسراء والمعراج في ليلتين.
وقيل: إن الإسراء كان بروحه دون جسده.
وقيل: إن الإسراء كان منامًا.
وقيل: إن الإسراء كان مرارًا: مرة يقظة، ومرة منامًا، وهذا يفعله بعض ضعفاء الحديث، كل ما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة، قال بعضهم: مرتين، وبعضهم قال: ثلاث مرات، والصواب الذي عليه المحققون وتدل عليه النصوص أن الإسراء والمعراج مرة واحدة، في ليلة واحدة يقظة لا منامًا بروحه وجسده؛ لقول الله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] والعبد: اسم لمجموع الروح والجسد، وأنه عاد ﵊ إلى مكة قبل الصبح وحدث الناس بذلك، وارتد قوم ممن أسلم؛ لأن عقولهم لم تتحمل، وكذلك أيضًا لما أخبر النبي ﷺ كفار قريش استعظموا هذا الأمر، وقالوا: يزعم محمد أنه ذهب إلى بيت المقدس في ليلة واحدة ونحن نضرب السفر إليها مدة شهر كامل، حتى سألوه عن عير لهم في الطريق مر عليها فأخبرهم متى تصل، ولما أخبر النبي بعض صناديد قريش قالوا: هل تقول هذا يا محمد إذا اجتمع الناس؟ قال: نعم.
يستعظمون ذلك، ويريدون تكذيبه، ولما قالوا لـ أبي بكر الصديق ﵁: إن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس وأنه ذهب إلى السموات، فقال أبو بكر ﵁: إن كان قال ذلك فقد صدق، ولذلك سمي الصديق.
فالمؤلف ﵀ بين الصواب في هذه المسألة، قال: وأجمع القائلون بالأخبار والمؤمنون بالآثار أن رسول الله ﷺ أسري به، ثم قال: ﴿لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى﴾ [الإسراء:١] ثم عرج به إلى السماء بجسده وروحه جميعًا، وهذا هو الصواب.
يقول المؤلف: ومن قال: إن الإسراء كان في ليلة والمعراج في ليلة فقد غلط.
وهذا صحيح، فقد غلط بعض العلماء وقالوا: إن الإسراء في ليلة والمعراج في ليلة، والصواب أنها في ليلة واحدة، ومن قال: إنه منام، وأنه لم يسر بجسده فقد كفر.
وهذا غريب من المؤلف ﵀، فإن من قال: إن الإسراء كان منامًا لا يكفر؛ لأن له شبهة وإن كان قوله ضعيفًا، فقد استدلوا ببعض ألفاظ الحديث الشريف وفيه أنه قال: (ثم استيقظت).
فالقول بالتكفير في هذا ليس بصواب، والتكفير ليس أمره بالهين، ولم أر أحدًا من العلماء كفر من قال: إن الإسراء كان منامًا، وإنما يقال هذا قول ضعيف، أو قول مرجوح، أو خلاف الصواب.
يقول المؤلف ﵀: وروى قصة الإسراء عن النبي ﷺ أبو ذر وأنس بن مالك ومالك بن صعصعة وجابر بن عبد الله وشداد بن أوس وغيره.
يعني: إن أحاديث الإسراء جاءت في أحاديث عدة رواها عدد من الصحابة.
يقول المؤلف: كلها صحاح مقبولة مرضية عند أهل النقل مخرجة في الصحاح.
وهذا كلام صحيح، فحديث الإسراء متفق عليه، فقد رواه البخاري في صحيحه، ورواه مسلم أيضًا في صحيحه، ورواه ابن قدامة في إثبات صفة العلو.
وقال ابن القيم ﵀: إن قصة الإسراء والمعراج متواترة.
وقد أفرد بعض العل
10 / 2