192
الطوائف المنكرة للقدر
والقدرية طائفتان: الطائفة الأولى: القدرية الأولى الذين أنكروا المرتبتين الأوليين: العلم، والكتابة، وهؤلاء كفار؛ لأن من أنكر العلم نسب الله للجهل وهذا كفر، فمن أنكر علم الله السابق وكتابته للمقادير فهو كافر، وهؤلاء وجدوا في أواخر عهد الصحابة، وهم الذين خرجوا في البصرة وقالوا: إن الأمر مستأنف وجديد، فأنكر عليهم التابعين من علماء البصرة، ومنهم حميد بن عبد الرحمن الحميري، فخرج مرة ومعه صاحب له في حج أو عمرة وقالوا: لو وفق لنا بعض أصحاب النبي ﷺ نسأله، قالوا: فوفق لنا عبد الله بن عمر فسألناه وقلنا: يا أبا عبد الرحمن! إنه ظهر قبلنا قوم يتقفرون العلم -أي: يعرفونه- ويزعمون أن الأمر أنف، يعني: مستأنف وجديد وما سبق به تقدير الله، فقال: أخبر هؤلاء أني منهم بريء وأنهم براء مني، والله لو كان لأحدهم مثل أحد ذهبًا ثم أنفقه في سبيل الله ما قبله الله منه حتى يؤمن بالقدر.
ثم روى عن أبيه عمر بن الخطاب أن النبي ﷺ سأله جبرائيل عن الإيمان؟ فقال: (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته، وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره).
فهؤلاء القدرية الذين أنكروا العلم والكتابة كفار؛ لأنهم نسبوا الله للجهل، وقد انقرضوا، وهؤلاء هم الذين قال فيهم الإمام الشافعي ﵀ وغيره: ناظروا القدرية بالعلم فإن أقروا به خصموا، وإن أنكروه كفروا.
الطائفة الثانية: عامة القدرية المتأخرين الذين أثبتوا العلم والكتابة، ولكنهم أنكروا عموم المشيئة وعموم الخلق، فلم ينكروا المشيئة والخلق بالكلية، وإنما أنكروا عموم المشيئة وعموم الخلق، فقالوا: إن الله علم الأشياء وكتبها، وشاء كل شيء إلا أفعال العباد فلم يشأها من خير أو شر، من طاعة أو معصية، فالله خلق كل شيء إلا أفعال العباد فلم يخلقها خيرًا أو شرًا؛ لشبهة حصلت لهم، ولهذا يدرأ عنهم التكفير، وشبهتهم أنهم قالوا: لو قلنا: إن الله قدر المعاصي، وخلقها وعذب عليها لكان ظالمًا، ففرارًا من ذلك قالوا: إن العباد هم الذين خلقوا أفعالهم استقلالًا من دون الله ﷿، وهم الذين شاءوا أفعالهم، فهم الذين خلقوا الطاعات والمعاصي حتى يستحقوا الثواب على الطاعات، ويستحقوا العقوبة على المعاصي، لكن يقال لهم: أنتم فررتم من شيء ووقعتم في شر مما فررتم إليه، أنتم فررتم إلى القول بأن الله خلق المعاصي وعذب عليها، لكن وقعتم في شر مما فررتم منه، فيلزم على مذهبكم أنه يقع في ملكه ما لا يريد، ومعناه: وقوع المعاصي والطاعات بدون إرادة الله، وهذا أمر عظيم، وكذلك أيضًا: يلزم على مذهبكم أن مشيئة العاصي والكافر تغلب مشيئة الله؛ لأن على مذهبكم أن الله شاء الطاعة من العبد، والعبد شاء المعصية، فوقعت مشيئة العبد ولم تقع مشيئة الله، وهذا أمر عظيم.
أما القول بأن الله خلق المعصية وعذب عليها، فليس فيه نسبة الظلم إلى الله؛ لأن الذي ينسب إلى الله الخلق والإيجاد، والخلق والإيجاد مبني على الحكمة، والذي ينسب إلى العبد المباشرة والتسبق والفعل فيعذب على الفعل، وأما كون الله خلقها، فإنه خلقها لحكمة، ولهذا فإنك إذا نسبتها إلى الله لا تكون شرًا؛ لأنه خلقها لحكمة، وإذا نسبتها إلى العبد فهي شر؛ لأنه باشرها وكسبها فساءته وضرته وعذب عليها، وهذا هو معنى قول النبي ﷺ: (والشر ليس إليك).
يعني: الشر المحض الذي لا حكمة في إيجاده وتقديره ليس إليك، وهذا لا وجود له في الكون، إذ لا يوجد شر محض، فكل الشرور الموجودة شرور نسبية، فهي شر بالنسبة للعبد، وخير بالنسبة إلى الله؛ لأنه خلقها لحكم وأسرار.
وأهل السنة والجماعة آمنوا بمراتب القدر كلها وقالوا: إن الله تعالى خلق كل شيء، وشاء كل شيء، وله الحكمة البالغة، وهو يهدي من يشاء فضلًا منه وإحسانًا، ويضل من يشاء عدلًا وحكمة.
والمعتزلة قالوا: إن الله لا يهدي من يشاء، ولا يضل من يشاء، فالعبد هو الذي يهدي نفسه ويضل نفسه.
وأما قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل:٩٣] فتأولها المعتزلة والقدرية بأن قوله: يهدي يعني: يسميه مهتديًا، ويضل: أي: يسميه ضالًا، وإلا فالعبد هو الذي يهدي نفسه ويضل نفسه، وقالوا: إن الله ليس على كل شيء قدير، بل هو على ما يشاء قدير، ولهذا تجد في أواخر بعض الكتب والله على ما يشاء قدير، وهذا يتماشى مع مذهب المعتزلة، وقصدهم من هذا إنكار دخول أفعال العباد في قدرة الله، وهذا غلط، والواجب أن يقول: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة:٢٨٤].
وأما قوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩] فهذا مقيد بالجمع، ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى:٢٩].
ولهذا بين المؤلف ﵀ معتقد أهل السنة والجماعة فقال: وأجمع أئمة السلف من أهل الإسلام على الإيمان بالقدر خيره وشره، حلوه ومره، يعني: أهل السنة أجمعوا على وجوب الإيمان بالقدر سواء كان خيرًا أو شرًا، فيأكل الإنسان مما يعطيه الله من النعم والفضل والمال والصحة والولد، وتصيبه المصائب التي تكون شرًا بالنسبة إليه، والمعاصي التي تقدر عليه، فسواء كان حلوًا كالخير، أو مرًا كالمصائب التي تحصل، فهذا كله بقضاء الله وقدره، ولا يكون شيء إلا بإرادته، وهذا معتقد أهل السنة والجماعة.
والمعتزلة وافقوا القدرية، فهم معتزلة في الصفات قدرية في الأفعال، ويقولون: يجري الخير والشر بدون مشيئة العبد.
وقول المؤلف: خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلًا، يعني: أن الله تعالى تفضل عليهم، وخلق من أراد للشقاء واستعمله به عدلًا منه فله الحكمة البالغة، ولا يكون ظالمًا؛ لأن الهداية ملك لله وليست ملكًا للعبد، فمن أعطاه الهداية فهذا من فضله، ومن منعه الهداية فهذا من عدله وحكمته، فلا يكون ظالمًا ﷾، ولهذا قال المؤلف: خلق من شاء للسعادة واستعمله بها فضلًا، وخلق من أراد للشقاء واستعمله به عدلًا، فهو سر استأثر به، وعلم حجبه عن خلقه.
يقول الطحاوي ﵀: القدر سر الله في خلقه، طواه عن أنامه، ونهاهم عن مرامه، فمن سأل: لمَ فعل؟ فقد رد حكم الكتاب، ومن رد حكم الكتاب كان من الكافرين، ولهذا قال المؤلف ﵀: هو سر استأثر به، وعلم حجبه عن خلقه، فلا أحد يعلم سر الله في خلقه، يعني: سر الله في خلقه أن جعل هذا شقيًا، وجعل هذا سعيدًا، وجعل هذا عالمًا، وجعل هذا جاهلًا، وجعل هذا عاقلًا، وجعل هذا مسلوب العقل، وهذا طويل، وهذا قصير، وهذا فقير، وهذا غني، وهذا يعمر وهذا لا يعمر، وهذا يموت طفلًا، وهذا يموت شيخًا، وهذا يموت كهلًا، وهذا يموت في بطن أمه، فله الحكمة البالغة، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] لا يسأل عما يفعل: لكمال حكمته، لا لأنه طعن بالمشيئة كما يقوله من أنكر الحكم والتعليل من المعتزلة وغيرهم، قال تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء:٢٣] لكمال حكمته ﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣] وقال الله ﷿: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف:١٧٩] فله الحكمة البالغة.
وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة:١٣].
ولو شاء لفعل ذلك لكن له الحكمة البالغة، وقال ﷿: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر:٤٩] وكل من صيغ العموم، سواء كان خيرًا أو شرًا، خلافًا للمعتزلة الذين يقولون: المعاصي والطاعات ليست بقدر.

9 / 4