206

Sharḥ al-fatwā al-Ḥamawiyya

شرح الفتوى الحموية

سبب نقل المؤلف لكلام المتكلمين مع أن الكتاب والسنة والإجماع مغنية عن كلام كل أحد
قال المؤلف ﵀: [وكلامه وكلام غيره من المتكلمين في مثل هذا الباب كثير لمن يطلبه، وإن كنا مستغنين بالكتاب والسنة وآثار السلف عن كل كلام] .
وهذا ليقر به من يعظم هؤلاء من المتكلمة، وهذا احتجاج على هؤلاء بكلامهم؛ لأنك إذا قلت: قال الباقلاني استسلم الخصم؛ لأنه يجله ويقدره، ويعده من كبار الأئمة، وكذلك إذا قلت: قال الجويني أو قال الأشعري تجده يستسلم في هذه الحالة، وما من إنسان ذهب مذهبًا من مذاهب المتكلمين إلا وجدت في كلامه ما ينقض قاعدته، ولذلك كان أسلم الطرق وأحكمها وأضبطها وأبعدها عن الاضطراب طريق أهل السنة والجماعة، فهو المطرد في باب أسماء الله ﷿ وصفاته.
قال ﵀: [وملاك الأمر أن يهب الله للعبد حكمة وإيمانًا، بحيث يكون له عقل ودين حتى يفهم ويدين، ثم نور الكتاب والسنة يغنيه عن كل شيء، ولكن كثيرًا من الناس قد صار منتسبًا إلى بعض طوائف المتكلمين، ومحسنًا للظن بهم دون غيرهم، ومتوهمًا أنهم حققوا في هذا الباب ما لم يحققه غيرهم، فلو أتي بكل آية ما تبعها حتى يؤتى بشيء من كلامهم.
ثم هم مع هذا مخالفون لأسلافهم غير متبعين لهم، فلو أنهم أخذوا بالهدى الذي يجدونه في كلام أسلافهم لرجي لهم مع الصدق في طلب الحق أن يزدادوا هدى] .
أسلافهم تخبطوا وضلوا، وضربوا في طرق عديدة، ثم رجعوا في آخر أمرهم إلى طريق السلف، فلو أن هؤلاء ابتدءوا من حيث انتهى أئمتهم لكان خيرًا لهم، ولو وفقوا مع الصدق في طلب الحق لازدادوا هدىً وخيرًا، ولكن هؤلاء أعرضوا عن نهاياتهم وابتدءوا ببداياتهم، أي: ببدايات أئمتهم، فتخبطوا وضلوا، وكان خاتمة كثير منهم أن وصل إلى حيث يبتدىء أهل السنة والجماعة.
قال ﵀: [ومن كان لا يقبل الحق إلا من طائفة معينة، ثم لا يتمسك بما جاءت به من الحق ففيه شبه من اليهود الذين قال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة:٩١]، فإن اليهود قالوا: لا نؤمن إلا بما أنزل علينا.
قال الله تعالى لهم: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: إن كنتم مؤمنين بما أنزل عليكم، يقول ﷾: لا لما جاءتكم به أنبياؤكم تتبعون، ولا لما جاءتكم به سائر الأنبياء تتبعون، ولكن إنما تتبعون أهواءكم، فهذا حال من لم يتبع الحق لا من طائفته ولا من غيرهم، مع كونه يتعصب لطائفته بلا برهان من الله ولا بيان] .
رحم الله المؤلف ما أصدق بيانه! وأجمل كلامه! فهو يبين لهؤلاء ويقول لهم: إنكم إذا لم تقبلوا كلام السلف وقلتم إنهم لم يخوضوا بهذه المعاني، فاقبلوا كلام أئمتكم، ولا تكونوا كالذين ذمهم الله بأن تركوا كلام أنبيائهم وتركوا كلام الأنبياء غير أنبيائهم.
والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

25 / 7