248
صبر أبي هريرة ﵁ على طلب للعلم
بعض الناس استكثروا على أبي هريرة، وربما ردوا آحاده التي تخالف القياس على زعمهم، وقد ذكر أبو هريرة رضي الله تعالى عنه سبب كثرة أحاديثه، ودافع عن نفسه فيما انتُقد عليه، وذلك عندما قالوا له: (يا أبا هريرة! تسمعنا أحاديث لم نسمعها من غيرك من أصحاب رسول الله ﷺ! فقال: إن إخواني من المهاجرين كانت تشغلهم الأسواق، والضرب في التجارة، وإخواني من الأنصار كان يشغلهم العمل في بساتينهم وزراعاتهم، أما أنا فكنت أصحب رسول الله ﷺ على شبع بطني، وقد كنت أصرع ما بين المنبر وحجرة رسول الله ﷺ، حتى يأتي الرجل فيجلس على رأسي أو على صدري يظن بي الجنون، وما بي إلا الجوع، ولقد خرجت يومًا ولقيت أبا بكر فسألته عن معنى آية، وإني -والله- لأعرف ذلك ولكن بغية أن يصحبني إلى بيته، ولقيت عمر فسألته ومشيت معه حتى وصل إلى باب بيته، فأسند ظهره إلى باب البيت وتبسم، وقال: يا أبا هريرة! لو كان عندنا شيء لاستضفناك) .
ويذكر لنا: (أنه ﵁ وجماعة من أهل الصفة جاءوا إلى رسول الله ﷺ، فرأى في وجوههم الجوع، فأتي بطبق فيه تمر، فأعطى كل واحد تمرتين، وقال: كلوا هاتين التمرتين واشربوا عليهما الماء فإنهما يجزيانكم يومكم، فأكل أبو هريرة تمرة، وأبقى أخرى! فقال له ﷺ: لم أبقيت الأخرى يا أبا هريرة؟! قال: لأمي) يعني: كان هو وأمه ليس عندهما شيء، فيقتات بتمرة، ويحمل تمرة لأمه.
ويقول: (خرجت فلقيني عمر فسلم ومضى، ولقيني أبو بكر فسلم ومضى، ولقيني رسول الله فعرف ما في نفسي، فتبسم وقال: يا أبا هريرة! ما أخرجك؟ قلت: الجوع، قال: اتبعني، فدخل رسول الله ﷺ بيته، واستأذنت ودخلت، فأتي بقدح فيه لبن، فسأل: من أين هذا؟ قالوا: أُهدي إلينا من بيت فلان)، وكان ﷺ إذا تُصدق عليه بشيء أرسله إلى أهل الصفة، وإذا أهدي إليه شيء أخذ منه وأعطى أهل الصفة، وكان أهل الصفة ضيوفًا على الإسلام، ليس لهم بيت يأوون إليه، ولا تجارة، ولا زراعة، منقطعون ومتفرغون للعبادة، وتلقي العلم، وإذا دعا داعي الجهاد كانوا هم الأوائل، قال: (يا أبا هريرة! ادع أهل الصفة، يقول أبو هريرة: فساءني ذلك في نفسي، وودت لو أخذت جرعات من هذا اللبن، ولكن طاعةً لله وطاعة لرسوله، ذهبت ودعوتهم، فلما جاءوا وجلسوا في البيت قال: يا أبا هريرة! خذ فاسق القوم، فأخذت أعطي الرجل يشرب، ثم أعطي الآخر حتى شربوا جميعهم، ورددت القدح إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله: يا أبا هريرة! لم يبق إلا أنا وأنت) .
انظروا هذه الكرامة يا إخوان! (لم يبق إلا أنا وأنت)، وفيها مساواة أبي هريرة لرسول الله ﷺ في الفضلة الباقية، فقال: (اشرب يا أبا هريرة! قال: فشربت، قال: اشرب يا أبا هريرة! قال: فشربت، ثم قال: اشرب قال: فشربت، ثم قال: اشرب، فقلت: والله! لا أجد له مسلكًا)، وفي بعض الروايات: (فرويت حتى رأيت الري بين أظفاري، وبقي في القدح بقية، فشرب ﷺ من تلك الفضلة) ! معجزة عظيمة، قدح يسقي أهل الصفة حتى يفيض، ويشرب أبو هريرة حتى لا يجد له مسلكًا، ولو كان انفرد بالقدح لشرب كل ما فيه، ولكن معجزات رسول الله ﷺ أكثر من أن تحصى، والذي يهمنا أن أبا هريرة صحب رسول الله ﷺ كما قال عن نفسه: (على شبع بطني) .

29 / 5