233
الجهاد وسيلة وليس غاية
قال ﷺ: (فإذا فعلوا ذلك) اسم الإشارة (ذلك) راجع إلى كل ما سبق من النطق بالشهادتين معًا، -ولا تجزئ إحداهما عن الأخرى- وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والصوم والحج كما قدمنا.
قال ﷺ: (فإذا فعلوا ذلك فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم) ويتفق علماء اللغة على أن (حتى): حرف غاية، وما بعدها مغاير لما قبلها، من هنا يجب أن يقف المسلم وكل كاتب وخطيب وأديب وكل من يتعاطى الدعوة إلى الله ليعلن للعالم كله أن القتال في الإسلام ليس غاية لذاته، ولكنه وسيلة للوصول إلى غاية وهي: أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة)، أي: يعبدوا ربهم الذي خلقهم، فإذا فعلوا ذلك: كانوا معصومي الدم.
إذًا: القتال من حيث هو، والجهاد من حيث هو في شرع الإسلام، ليس غاية لذاته، إذًا: لماذا يعيب أولئك على المسلمين حينما يعلنون القتال، وحينما يجاهدون في سبيل الله، لا في سبيل أنفسهم، ولا في سبيل مغنم يغتنمونه، ولا سلطان يقيمونه، كلا: إنما هو في سبيل الله، لكي يعبد الخلق خالقهم.
إذًا: القتال للمشركين ليس غاية في ذاته، ولهذا كان القتال في الإسلام هو آخر ما يمكن أن يعالج به المسلمون عقول وأفكار الكفار، وقد جاء عنه ﷺ عندما أرسل معاذًا إلى اليمن أنه قال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فإذا قالوها لهم ما للمسلمين، وعليهم ما عليهم) والمسلمون الذين يجاهدون عشرات السنين، إذا جاءوا إلى أمة ووقفت أمامهم، ودخلوا معها في قتال، واستشهد من المسلمين من استشهد، فإذا قال العدو: لا إله إلا الله، كفوا عنه.
والذين قتلوا في سبيل ذلك من المسلمين ماذا بشأنهم؟ هؤلاء أجرهم عند الله، لا يتحمل المشركون دية الذين استشهدوا من المسلمين على أيديهم، مع أنه لو كان قتالًا بين المسلمين أنفسهم لتحملت كل طائفة ديات القتلى من الطائفة الأخرى، لكن هنا هم يستشهدون إلى ربهم؛ لأن الله قد عقد معهم صفقة ربح ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ [التوبة:١١١] أجر المجاهد عند الله، لا يرجع المسلمون على الكفار بعوض ما فات على المسلمين من رجال وأموال لا؛ لأنهم خرجوا في سبيل الله، فكيف يعاب على المسلمين إذًا؟!.
قال: (فإن أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله قد كتب عليهم) فقال هنا: الله، ليس الرسول أو أي أحد، بل الله؛ لأن هذا هو حق الله، خمس صلوات في اليوم والليلة، يقف المصلي يقول: الله أكبر، يسجد ويقول: سبحان ربي الأعلى، يركع ويقول: سبحان ربي العظيم، فهي حق لله، (فإن أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) وليست الزكاة ضريبة، ولا غنيمة للمسلمين، وكما جاء عن بعض السلف: أرسل عاملًا للزكاة فجاء وقال: أين الزكاة؟ قال: أرسلتني مزكيًا أو جابيًا؟ قال: مزكيًا، قال: أخذتها من حيث كنا نأخذها زمن رسول الله ﷺ وأنفقتها حيث كنا نصرفها في زمن رسول الله ﷺ، أخذتها من الأغنياء ورددتها إلى الفقراء، وهكذا فهي منهم ولهم، وهذا يجسد التعاون الاجتماعي بين الغني والفقير، وهو أمر إنساني، ولو لم يأت الإسلام به لتعين على كل مجتمع التضامن الاجتماعي.
إذًاَ: ما حظ المسلمين من ذلك؟ حظهم الشهادة في سبيل الله، وقد بين ﷺ في قوله: (عصموا مني دماءهم وأموالهم) بأي شيء؟ بمجرد القيام بحق الله، ولذا غضب ﷺ غضبًا شديدًا على أسامة في بعض المعارك حينما قتل رجلًا مشركًا في المعركة وهو في الميدان بعد أن قال: (لا إله إلا الله محمد رسول الله، فلما أخبر بذلك رسول الله قال: (قتلته بعد أن قالها! ماذا تفعل بلا إله إلا الله؟ قال: يا رسول الله! قالها تحت شعاع السيف -أي: قالها خوفًا من السيف- قال: هل شققت عن قلبه؟ -بمعنى: هل أتدري ما في قلبه؟ - إني لم أؤمر أن أفتش عن بطونهم) .
وهكذا يبين ﷺ أن من نطق بالشهادتين ولو تحت ظلال السيف فإنه يكف عنه، وتقدم لنا في الموطأ قول عمر رضي الله تعالى عنه: (لأن يسند العلج في الجبل فيقول: مترس، فيقتله إنسان، إلا جعلته مثلة لغيره) مترس بمعنى: مأمن أو أمان أو أمني إلى آخره، فيعيب عمر رضي الله تعالى عنه على من يقتل أعجميًا أو كافرًا في الميدان بعد أن يطلب الأمان.
إذًا: القتال ليس غاية للمسلمين، وليس تشفيًا من أعداء المسلمين، ولكنه كما يقول بعض الإخوان المسلمون في موقف الجهاد مثلهم كمثل إنسان نظر إلى شخص يعيش في دياجير الظلام يتخبط، لا يدري أيطأ شوكًا أو وردًا أيمسك حية أو حوتًا، لا يدري ماذا يفعل؟ في ظلام وجهالة وضلال، فأتاه وفي يده مشعل يضيء الطريق، فجاء وطرق الباب على هذا الضال الضائع، وقال: يا هذا! خذ هذا المشعل واستنر به.

27 / 7