381

Sharḥ al-ʿAqīda al-Ṭaḥāwiyya

شرح العقيدة الطحاوية

آية أخذ الميثاق لا تدل على أخذ الذرية من ظهر آدم
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا ريب أن الآية لا تدل على القول الأول، أعني أن الأخذ كان من ظهر آدم، وإنما فيها أن الأخذ من ظهور بني آدم، وإنما ذكر الأخذ من ظهر آدم والإشهاد عليهم هناك في بعض الأحاديث، وفي بعضها الأخذ والقضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار، كما في حديث عمر ﵁، وفي بعضها الأخذ وإراءة آدم إياهم من غير قضاء ولا إشهاد، كما في حديث أبي هريرة.
والذي فيه الإشهاد -على الصفة التي قالها أهل القول الأول- موقوف على ابن عباس وابن عمرو، وتكلم فيه أهل الحديث، ولم يخرِّجه أحد من أهل الصحيح غير الحاكم في المستدرك على الصحيحين، والحاكم معروف تساهله ﵀.
والذي فيه القضاء بأن بعضهم إلى الجنة وبعضهم إلى النار دليل على مسألة القدر، وذلك شواهده كثيرة ولا نزاع فيه بين أهل السنة، وإنما يخالف فيه القدرية المبطلون المبتدعون.
وأما الأول فالنزاع فيه بين أهل السنة من السلف والخلف، ولولا ما التزمته من الاختصار لبسطت الأحاديث الواردة في ذلك، وما قيل من الكلام عليها، وما ذكر فيها من المعاني المعقولة ودلالة ألفاظ الآية الكريمة.
قال القرطبي: وهذه الآية مشكلة، وقد تكلم العلماء في تأويلها، فنذكر ما ذكروه من ذلك حسب ما وقفنا عليه.
فقال قوم: معنى الآية أن الله أخرج من ظهر بني آدم بعضهم من بعض، قالوا: ومعنى ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] دلهم بخلقه على توحيده؛ لأن كل بالغ يعلم ضرورة أن له ربًا واحدًا، ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] أي: قال: فقام ذلك مقام الإشهاد عليهم والإقرار منهم، كما قال تعالى في السماوات والأرض: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت:١١]، ذهب إلى هذا القفال وأطنب.
وقيل: إنه سبحانه أخرج الأرواح قبل خلق الأجساد، وإنه جعل فيها من المعرفة ما علمت به ما خاطبها.
ثم ذكر القرطبي بعد ذلك الأحاديث الواردة في ذلك.
إلى آخر كلامه] .
هذه أيضًا أقوال في معنى الآية: قولٌ: أن قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الأعراف:١٧٢] معناه: كلما ولد مولود أخذ الله عليه العهد واستشهده بما فُطِر عليه ليعرف أن له ربًا وأنه مربوب وأن عليه تكاليف، فكلما وُلد مولود أخذ عليه العهد، وذلك لأن الله قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف:١٧٢]، وبنو آدم جمع، يعني: كل آدمي من البشر أخذ الله من ظهره، يعني: استخرج ما في ظهره من ولد ثم استنطقهم واستشهدهم، ويكون ذلك ما علموه أو ما أقام أمامهم من البينات والبراهين على أنه ربهم، وعلى أنهم مربوبون والمربوب له رب، وعلى أنهم مخلوقون والمخلوق له خالق.
وأما القول بأنهم استُنْطِقوا لما أُخرجوا من آدم وشهدوا على أنفسهم و(قَالُوا بَلَى) لما قال الله لهم: «أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ» فهذا قول اعتُمد فيه على حديثين، ولكن الحديثين فيهما مقال.
ويقول: إن حديث ابن عباس الذي تقدم وحديث عبد الله بن عمرو لم يخرجا في الصحيح، وإنما أخرجهما الحاكم والحاكم ﵀ يتساهل في تخريج الأحاديث، فلا يعتمد تصحيحه إذا انفرد به.
لذلك لعل الآية عامة في أنها أخذت العهود من بني آدم، وأن تلك العهود هي إما المعرفة التي ركبت في قلوبهم حيث يعرفون أنهم مخلوقون، وإما الفطرة التي فطر الناس عليها، يعني: جعل في فطرتهم ميلًا ومعرفةً، وهو ما تقدم من قوله ﷺ: (كل مولود يولد على الفطرة) .

26 / 8