341

Sharḥ al-ʿAqīda al-Ṭaḥāwiyya

شرح العقيدة الطحاوية

الحوض وما ورد فيه ووجوب الإيمان به
قال المؤلف رحمه الله تعالى: [قوله: (والحوض الذي أكرمه الله تعالى به غياثًا لأمته حق) .
الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر، رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابيًاَ، ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عماد الدين بن كثير تغمده الله برحمته في آخر تاريخه الكبير المسمى بـ (البداية والنهاية)، فمنها ما رواه البخاري رحمه الله تعالى عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن قدر حوضي كما بين أيلة إلى صنعاء من اليمن، وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء) .
وعنه أيضًا عن النبي ﷺ قال: (ليَردن علي ناس من أصحابي الحوضَ حتى إذا عرفتهم اختُلجوا دوني فأقول: أصيحابي! فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك) رواه مسلم.
وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك قال: (أغفى رسول الله ﷺ إغفاة فرفع رأسه متبسمًا -إما قال لهم، وإما قالوا له-: لم ضحكت؟ فقال رسول الله ﷺ: إنه نزلت علي آنفًا سورة.
فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر:١] حتى ختمها، ثم قال: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هو نهر أعطانيه ربي ﷿ في الجنة، عليه خير كثير، ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد الكواكب، يُختلج العبد منهم فأقول: يا رب إنه من أمتي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك)، ورواه مسلم ولفظه: (هو نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، هو حوض ترِد عليه أمتي يوم القيامة)، والباقي مثله.
ومعنى ذلك أنه يشخب فيه ميزابان من ذلك الكوثر إلى الحوض، والحوض في العرصات قبل الصراط؛ لأنه يُختلج عنه ويُمنع منه أقوام قد ارتدوا على أعقابهم، ومثل هؤلاء لا يجاوزون الصراط.
وروى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله البجلي ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (أنا فَرَطكم على الحوض)، والفَرَط: الذي يسبق إلى الماء.
وروى البخاري عن سهل بن سعد الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (إني فرطكم على الحوض، من مَرَّ علي شرب، ومن شرب لم يظمأ أبدًا، ليرِدن عليَّ أقوام أعرفهم ويعرفوني، ثم يحال بيني وبينهم)، قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش وأنا أحدثهم هذا فقال: هكذا سمعتَ من سهل؟ فقلت: نعم، فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعتُه وهو يزيد فيها: (فأقول: إنهم من أمتي! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سحقًا سحقًا لمن غيَّر بعدي) سحقًا أي: بُعدًا] .
هذا من الإيمان بالغيب أيضًا، وهو الإيمان بيوم القيامة وما يكون فيه، وقد أخبر الله تعالى بالبعث بعد الموت وبحشر الأجساد، وبإعادة الأرواح إلى أجسامها، وبجمع الناس كلهم ليوم لا ريب فيه.
يقول تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين:٦] يعني: يقوم أولهم وآخرهم.
ويقول تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الأَوَّلِينَ وَالآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة:٤٩-٥٠] .
فالإيمان بالبعث بعد الموت ركن من أركان الإيمان بالله تعالى، ويؤمن العبد بما يكون في ذلك اليوم مما أخبر الله به، وأخبر به رسوله ﷺ، وتفاصيل ذلك مذكورة في أحاديث النبي ﷺ، ومجملها وارد في كلام الله ﷾.
فمن ذلك ذكر الحوض الذي ذكر، وقد ورد فيه أحاديث كثيرة بلغت حد التواتر حيث زادت على رواية أربعين صحابيًا، رووا ذكر الحوض عن النبي ﷺ، ورواها أئمة السنة وعلماء الأمة في مؤلفاتهم بألفاظ متعددة، وطرق كثيرة وروايات مجموعُها يُقطع بأنه ﷺ أخبر بذلك، فيُقبل خبره ولا يُلتفت إلى من أنكره.
وقد ورد أيضًا دليل ذلك في القرآن في سورة الكوثر، وقد فسر النبي ﷺ الكوثر في هذا الحديث بأنه نهر في الجنة أعطاه الله نبيه ﷺ، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وكذلك أخبر بأنه أعطي هذا الحوض في الأرض في يوم القيامة، وهو جزء أو فرع أو امتداد للكوثر الذي أعطيه في الجنة.
والحوض عند العرب هو الإناء الذي يتخذ من الجلود تسقى به الإبل والغنم ونحوها، وعادةً يحملونه على ظهور الإبل، فإذا وردوا أو أقبلوا على المياه أرسلوا واردًا يصلح لهم الورد، ويسمى ذلك الوارد الذي يتقدمهم (الفَرَط)، فيقولون: أنت فَرَطنا يا فلان.
أي: أنت الذي تتقدم أمامنا إلى ذلك المورد وتصلح لنا الورد، فإذا وردوا بدوابهم إذا هو قد ملأ الحوض ماءً وقد ركب البكرة التي يُستقى عليها وقد انتزع من الماء بقدره، فيبدءون في سقي دوابهم إلى أن تنهل وتروى، فتشرب من ذلك الحوض.

23 / 2