Sharḥ al-ʿAqīda al-Ṭaḥāwiyya
شرح العقيدة الطحاوية
Genres
•Salafism and Wahhabism
Regions
•Saudi Arabia
معاني التأويل
قال رحمه الله تعالى: [وقد صار لفظ التأويل مستعملًا في غير معناه الأصلي، فالتأويل في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ هو الحقيقة التي يئول إليها الكلام.
فتأويل الخبر هو عين المخبَر به، وتأويل الأمر نفس الفعل المأمور به، كما قالت عائشة ﵂: (كان رسول الله ﷺ يقول في ركوعه: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم! اغفر لي، يتأول القرآن) .
وقال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:٥٣] .
ومنه تأويل الرؤيا وتأويل العمل كقوله: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:١٠٠]، وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف:٦]، وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩]، وقوله: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٧٨] إلى قوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف:٨٢] .
فمن ينكر وقوع مثل هذا التأويل والعلم بما تعلق بالأمر والنهي منه؟! وأما ما كان خبرًا كالإخبار عن الله واليوم الآخر فهذا قد لا يُعلم تأويلُه الذي هو حقيقته؛ إذ كانت لا تُعلم بمجرد الإخبار؛ فإن المخبَر إن لم يكن قد تصور المخبَر به أو ما يعرفه قبل ذلك لم يعرف حقيقته -التي هي تأويله- بمجرد الإخبار.
وهذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى الذي قَصَد المخاطِب إفهام المخاطَب إياه، فما في القرآن آية إلا وقد أمر الله بتدبرها، وما أنزل آية إلا وهو يحب أن يُعلم ما عنى بها، وإن كان من تأويله ما لا يعلمه إلا الله.
فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف، وسواء كان هذا التأويل موافقًا للظاهر أو مخالفًا له.
والتأويل في كلام كثير من المفسرين كـ ابن جرير ونحوه يريدون به تفسير الكلام وبيان معناه سواءً وافق ظاهره أو خالفه، وهذا اصطلاح معروف، وهذا التأويل كالتفسير يُحمد حقُّه ويُرَد باطلُه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران:٧] فيها قراءتان: قراءة من يقف على قوله: (إلا الله)، وقراءة من لا يقف عندها، وكلتا القراءتين حق.
ويراد بالأولى: المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله.
ويراد بالثانية: المتشابه الإضافي الذي يعرف الراسخون تفسيره، وهو تأويله.
ولا يريد من وقف على قوله: (إلا الله) أن يكون التأويل بمعنى التفسير للمعنى؛ فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلامًا لا يعلم معناه جميعُ الأمة ولا الرسول، ويكون الراسخون في العلم لا حظَّ لهم في معرفة معناها سوى قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران:٧] .
وهذا القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين، والراسخون في العلم يجب امتيازهم على عوام المؤمنين في ذلك، وقد قال ابن عباس ﵄: أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله.
ولقد صدق ﵁؛ فإن النبي ﷺ دعا له وقال: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) رواه البخاري وغيره.
ودعاؤه ﷺ لا يرد.
قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره أقِفُه عند كل آية وأسأله عنها.
وقد تواترت النقول عنه أنه تكلم في جميع معاني القرآن، ولم يقل عن آية: إنها من المتشابه الذي لا يعلم أحد تأويله إلا الله] ذكر أن المبتدعة من المعتزلة ونحوهم يستعملون كلمة التأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره، كما ذكرنا قريبًا.
كقولهم في ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف:٥٤]: استولى عليه، فهذا صرف اللفظ عن ظاهره.
وقولهم في ﴿أَأَمِنتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ [الملك:١٦] أي: في السماء علمه، أو: في السماء ملائكته، فهذا صرف للفظ عن ظاهره.
وقولهم: ﴿تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج:٤] أي: تصعد إلى ملائكته أو إلى علمه أو نحو ذلك.
ولا شك أن هذا تأويل باطل ما أنزل الله عليه دلالة ولا أوضحه ولا أمر به، فهذا هو التأويل الذي هو مذموم، والذي يذمه السلف ويقولون: لا تتأولوا، أو لا تستمعوا إلى هذا التأويل ويراد به صرف اللفظ عن ظاهره، مع أن كلمة التأويل تأتي بمعنى التفسير، وكان ابن جرير ﵀ في تفسيره يقول: (القول في تأويل قوله تعالى)، ومراده: في تفسير الآية ويقول: (اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك)، ويقول: (وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل) والمراد: أهل التفسير.
أما في لغة القرآن فقد وردت كلمة (التأويل)، وكذلك في لغة الصحابة، والمراد بها حقيقة الشيء وماهيته وما يئول إليه، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف:٥٣] فالمراد: حقيقته، أي: هل ينتظرون إلا أن يقع الأمر الذي أُخْبِروا به؟! وتأويله يعني وقوع ما فيه، فمثلًا: تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ﴾ [الأعراف:٤٤] وقوع المناداة، من كون هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار وهؤلاء ينادون هؤلاء، إذا وقع ذلك فهذا هو التأويل، أي: وقوعه.
فيقال مثلًا: هذا تأويل الآية التي أخبرنا بها، أي: حقيقة ما وقع.
وكذلك مرجع الشيء يسمى تأويلًا، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء:٥٩] يعني: أحسن حقيقةً وأحسن مظهرًا ومرجِعًا.
ومنه أيضًا تأويل الرؤيا، كما حكى الله عن يوسف أنه قال: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف:٤]، ثم بعد أن جاء إخوتُه وأبواه ودخلوا عليه قال تعالى عنه: ﴿وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف:٩٩-١٠٠] يعني: هذه حقيقتها، فقد وقع ما تُؤَوَّلُ به.
ولما دخل اثنان معه السجن قالا كما حكى الله تعالى عنهما: ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ [يوسف:٣٦] أي: بحقيقته وما يئول إليه وما يقع.
وفي نفس السورة يقول الله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ﴾ [يوسف:٦] يعني: حقائقها وما تئول إليه، يعني: ترجع إليه.
فالتأويل الذي في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران:٧] المراد: ابتغاء معرفة وقوعه وكيفيته تصوُّره، وذلك غيب ولا يعلمه إلا الله، فإذا وقع علموه، ولا يقع إلا في يوم القيامة، فمثلًا: آيات الوزن كقوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف:٨]، وقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة:٦]، ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ [القارعة:٨] قد يقولون: نريد تأويل هذا الميزان، وما مقداره؟ وما سعة الكفة؟ وكيف تميل؟ وكيف تَخِفُّ بهذا وتَثْقُل بهذا؟ فهذا تأويله لا يعلمه إلا الله، فنحن لا نعلم حقيقة ذلك الوزن، ولا نعلم كيف تكون الأعمال أعراضًا حتى توزن، فإنما يظهر إذا بدت.
فإذا ظهرت الموازين ووزنت فيها الأعمال فعند ذلك نقول: هذا تأويل قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ [الأعراف:٨]، هذا تأويل قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء:٤٧]، هذا تأويله، أي: هذا هو حقيقته.
وإذا تطايرت الصحف في الأيمان والشمائل نقول: هذا تأويل قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الحاقة:١٩]، ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ﴾ [الحاقة:٢٥] أي: وقع ذلك فقبل ذلك لا ندري ما هو الكتاب، وكيف يكون الكتاب الذي هو كتاب كبير يحصي الأعمال كلها، كما في قوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف:٤٩]، وكما في قوله: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء:١٤]، وكيف يقبض ذلك الكتاب باليد.
فهذا ما لا يعلمه إلا الله، فإذا وقع وأخذت الكتب بالأيمان والشمائل فعند ذلك نقول: هذا تأويل تلك الآيات التي أخبر الله فيها بأنه سيقع كذا، وأن صورته وكيفيته كذا.
20 / 16