187

Sharḥ al-ʿAqīda al-Ṭaḥāwiyya

شرح العقيدة الطحاوية

العقل وإقحامه في معرفة كيفيات البعث والنشور ونحو ذلك
السؤال
ذكر ابن خلدون في مقدمته منع أن يدخل العقل ويحكم في العقيدة والقيامة والبعث والنشور وغيرها كما فهمنا، فهل هذا على إطلاقه في جميع نواحي العقيدة، فيعطل العقل ويكتفى بما جاءنا بالنقل؟
الجواب
هذه الأشياء لا يستقل العقل بإدراكها على التفصيل، فلا يمكن أن العقل يدرك ما يتعلق بالقيامة والبعث والنشور على التفصيل، فلا مجال للعقل في إدراك هذه القضايا السمعية على جهة التفصيل أبدًا، وهذا أمر يدركه كل عاقل، ويمكن أن أقول على سبيل الجزم: إني أتحدى أن يكون عقل من عقول البشر من أول الدنيا إلى آخرها قد أدرك مستقلًا شيئًا مفصلًا عن يوم القيامة والبعث والنشور، إنما يظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا، فكلام ابن خلدون صحيح في هذا المجال، ولا يسمى هذا تعطيلًا للعقل؛ لأنك إذا استعملت الشيء في غير ما يطيقه فهذا إرهاق له، إذا استعملت أي شيء فيك بأكثر مما يطيق فهذا لا يسمى تعطيلًا، بل يسمى إرهاقًا.
إذًا: العقل إذا استخدم فيما يستطيع فهذه وظيفته، والعقل إنما مجاله عالم الشهادة وليس عالم الغيب، وهذا أمر مدرك بالعقل نفسه، فإذا كان العقل نفسه يعرف أنه لا يعقل الغيبيات؛ فترك إقحامه في الغيبيات هو إكرام له وإشفاق عليه، وأنت إذا رحمت إنسانًا فمنعته من أن يحمل أكثر مما يطيق كان هذا إشفاقًا عليه، لكن لو أنك حملته ما لا يطيق كان هذا عنتًا عليه، وهذا هو مثل العقل، فالعقل إذا كلفناه البحث في أمور الغيب حملناه ما لا يطيق، وإذا أعفيناه من البحث في أمور الغيب فإنما نكون أشفقنا عليه وكرمناه، فإكرام العقل استخدامه فيما يستطيع.

18 / 9