فتح الكتاب، فإِذا فيه: أمر من رسول الله ﷺ بالتوجه إِلى نخلة (١) بين مكة والطائف، ليرصد أخبار قريش، ولا يستكره أحدًا من أصحابه على مرافقته في تلك المهمة، فلما علم أفراد السرية بذلك قالوا: سمعًا وطاعة لرسول ﷺ، ومضوا مع عبد الله بن جحش حتى وصلوا وادي نخلة، فرصدوا عيرًا لقريش، فتشاور عبد الله مع أصحابه وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإِن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، لكنهم عزموا على مهاجمة العير، فتم لهم ذلك وهجموا على المشركين فقتلوا أحدهم، وأسروا اثنين وأفلت الرابع، ثم قدموا بالعير والأسيرين على رسول الله ﷺ، فأنكر عليهم ما قاموا به في الشهر الحرام، ولما علمت قريش بذلك استغلت الحدث، وقالت: إِن محمدًا قد سفك الدم في الشهر الحرام، وأخذ فيه المال، وأسر فيه الرجال، واستحل الشهر الحرام.
لكن الله ﷾ أنزل في هذا الشأن قرآنًا يتلى إِلى يوم القيامة فيه رفع للحرج عن رسول الله ﷺ ومن معه من المؤمنين، وتضمنت الآية التعيير والتوبيخ لقريش التي تتبجح برعاية الحرمات (٢).
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).
(١) نخلة: هما نخلتان شرق مكة، نخلة الشامية، ونخلة اليمانية وطريق الطائف يمر عبر نخلة اليمانية وهي المقصودة هنا.
(٢) ابن هشام، السيرة ١/ ٣٩٧ - ٤٠٠.
(٣) سورة البقرة ٤ آية ٢١٧.