262

Buḥūth nadwat athar al-Qurʾān fī taḥqīq al-wasaṭiyya wa-dafʿ al-ghulūw

بحوث ندوة أثر القرآن في تحقيق الوسطية ودفع الغلو

Publisher

وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد

Edition

الثانية

Publication Year

١٤٢٥هـ

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

النصح المباشر له.
فمثلا: عندما جاء النفر الثلاثة وسألوا عن عبادة النبي ﷺ فكأنهم تقالوها، وقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل ولا أنام، وقال الآخر: لا أتزوج النساء، وقال الثالث: أصوم ولا أفطر، أو: لا آكل اللحم. وعلم النبي ﷺ بمقالتهم، فقام ﷺ وخطب الناس وقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، أما إني أتقاكم لله وأخشاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأنام، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني» (١) .
فانظر كيف عالج النبي ﷺ؛ المعلم الأول هذا الجنوح إلى الغلو، بذلك الأسلوب الحكيم، والتوجيه غير المباشر، وفيه من الفوائد إضافة إلى ما تقدم ذكره: أنه علاج ليس لأولئك النفر الثلاثة فحسب، وإنما علاج لظاهرة الغلو التي قد تكون موجودة عند آخرين، لكنهم لم يأتوا لبيت النبوة، ولم يتحدثوا بما في نفوسهم كما فعل أولئك النفر الثلاثة؛ فكون التوجيه جاء عاما، وعلى الملأ، وبتوجيه غير مباشر دون تعرض للأشخاص؛ كل ذلك جعله من أبلغ وسائل العلاج وأفضله، وأعلاه وأتمه.
ومن أمثلة ذلك: وصاله ﷺ الصيام في رمضان، ولشدة محبة أصحابه له وتأسيهم بفعله، واصل بعضهم الصيام كذلك. فلما علم النبي ﷺ بذلك قال: «ما بال رجال يواصلون، إنكم لستم مثلي. أما والله! لو تماد لي الشهر لواصلته وصلا يدع المتعمقون تعمقهم» (٢) .

(١) رواه مسلم في كتاب النكاح.
(٢) رواه مسلم، كتاب الصوم، باب النهي عن الوصال في الصوم (٢ / ٧٧٥) .

2 / 285