Tahdhīb Iqtiḍāʾ al-Ṣirāṭ al-Mustaqīm
تهذيب اقتضاء الصراط المستقيم
Publisher
مكتبة دار العلوم
Publisher Location
البحيرة (مصر)
Genres
•Islamic thought
Regions
Egypt
أعظم عند المقابريين من حرمة بيوت الله التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه. وقد أسست على تقوى من الله ورضوان.
وقد بلغ الشيطان بهذه البدع إلى الشرك العظيم في كثير من الناس، حتى إن منهم من يعتقد أن زيارة المشاهد التي على القبور - إما قبر لنبي، أو شيخ، أو بعض أهل البيت - أفضل من حج البيت الحرام، ويسمى زيارتها: الحج الأكبر، ومن هؤلاء من يرى أن السفر لزيارة قبر النبي ﷺ أفضل من حج البيت. وبعضهم إذا وصل المدينة رجع وظن أنه حصل له المقصود. وهذا لأنهم ظنوا أن زيارة القبور لأجل الدعاء عندها والتوسل بها، وسؤال الميت ودعائه. ومعلوم أن النبي ﷺ أفضل من الكعبة، ولو علموا أن المقصود إنما هو عبادة الله وحده لا شريك له وسؤاله ودعاؤه، والمقصود بزيارة القبور الدعاء لها، كما يقصد بالصلاة على الميت - لَزَال هذا عن قلوبهم. ولهذا، كثير من هؤلاء يسأل الميت والغائب، كما يسأل ربه، فيقول: اغفر لي وارحمني، وتُب علي، ونحو ذلك.
وكثير من الناس تمثل له صورة الشيخ المستغاث به، ويكون ذلك شيطانًا قد خاطبه، كما تفعل الشياطين بِعَبَدَة الأصنام.
وأعظم من ذلك: قصد الدعاء عنده والنذر له، أو للسدنة العاكفين عليه، أو المجاورين عنده، من أقاربه أو غيرهم، واعتقاد أنه بالنذر له قضيت الحاجة، أو كشف البلاء. فإنا قد بَيَّنَّا بقول الصادق المصدوق: أن نذر العمل المشروع لا يأتي بخير، وأن الله لم يجعله سببًا لدرك الحاجة، كما جعل الدعاء سببًا لذلك، فكيف نذر المعصية، الذي لا يجوز الوفاء به؟
واعلم أن أهل القبور من الأنبياء والصالحين، المدفونين، يكرهون ما يفعل عندهم كل الكراهة، كما أن المسيح علي ﵇ يكره ما يفعل النصارى به، وكما كان أنبياء بني إسرائيل يكرهون ما يفعله الأتباع فلا يحسب المرء المسلم أن النهي عن اتخاذ القبور أعيادًا وأوثانًا فيه غَضٌّ من أصحابها، بل هو من باب إكرامهم، وذلك أن القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السنن، فتجد أكثر هؤلاء العاكفين على القبور معرضين عن سنة ذلك المقبور وطريقته، مشتغلين بقبره عما أمر به ودعا إليه.
ومن كرامة الأنبياء والصالحين، أن يتبع ما دعوا إليه من العمل الصالح، ليكثر أجرهم بكثرة أجور من اتبعهم، كما قال النبي ﷺ:
1 / 210