Al-Rawḍ al-Zāhir fī sīrat al-malik al-Ẓāhir
الروض الزاهر في سيرة الملك الظاهر
وحكي علي بن محمد المداني : قال عنين بن إبراهيم : فتح طرابلس سفيان بن مجيب يوم نقض أهلها العهد أيام عبد الملك، فتحها الوليد في زمانه ولم تزل في أيدي المسلمين إلى أن ملكها القاضي جلال الملك علي بن محمد بن عمار، وأقام مالكة لها إلى أن مات في سلخ شعبان سنة اثنين وتسعين وأربعمئة، وملكها بعده أخوه فخر الملك عمار [ بن محمد بن عمار، وما زال حاكما فيها حتى خرج الفرنج إلى الشام في سنة تسعين وأربعمئة، وفتحوا أنطاكية في مستهل شهر رجب سنة إحدى وتسعين وأربعمئة، نزل الملك صنجيل واسمه میمنت، وهو المسمی میمون ؛ قال عز الدين ابن عساکر : ونسبه إلى صنجيلية، مدينة يجموعه على طرابلس، في رجب سنة خمس وتسعين وأربعمئة، وعمر عليها حصنة يقاتلها منه ، وضايقها مدة طويلة، فلما طال مقامه عليها خرج صاحبها يستغيث المسلمين، فقصد سلطان بغداد في سنة إحدى وخمسمئة، واستناب في طرابلس ولد عمه أبا المناقب، ورتب معه رجلا يعرف بسعد الدولة، فتيان ابن الأعسر، فاتفق أنه جلس في بعض الأيام في مجلسه، وعنده جماعة من كبراء البلد، وكبراء العساكر فشرع يتجنن ويخلط، فنهاه سعد الدولة المذكور، فصاح عليه وحذفه بالسيف فقتله ؛ وقام هذا الذي تجنن وطلع على السور، ورقص، وصفق فقام أهل البلد وأمسكوه، وذلك في شهر رمضان من هذه السنة، ونادوا باسم الأفضل ابن أمير الجيوش الذي كان سلطانة في مصر، وحموا البلد، وأقاموا إلى أن مات صنجيل وهو يحاصر طرابلس، وما زالوا حتى تستموها في يوم الثلاثاء ثالث ذي الحجة سنة اثنين وخمسمئة ؛ وكان الحصار الشديد المتتابع عليها الذي لا فرح يتخلله سبع سنين، وتولاها مقدم منهم اسمه السرداني فتملكها، وأقام مدة حتى وصل مركب من جهة بلاد المغرب وفيه صبي من أولاد صنجيل اسمه تبران تبص طلولا، ومعه شیوخ من أصحاب أبيه يخدمونه ويدبر ونه، فحضروا عند السرداني، وقالوا هذا ولد صنجيل، وهو يريد مدينة والده، فقام السرداني ورفسه برجله، فرماه من السرير، وأخرجه، فأخذه أصحابه، وطافوا به على الفرنجية والفرسان، فرحموه، وتذكروا الأيمان التي كان أبوه حلفها لهم، وقالوا له : « إذا كان غدا فاحضر ونحن عنده، وتحدث ». فلما حضر عنده وخاطبه صاح عليه، فقام الفرسان كلهم على السرداني وأخرجوه من المملكة، وسلموها للصغير، فأقام مالكة لها إلى أن قتله برواج يوم الأحد رابع شهر رجب سنة إحدى وثلاثين وخمسمئة، وقتل أكثر أصحابه، وأسر بطرس الأعور، واستخلف " في طرابلس ولده القمص بدران، فأسره الأتابك زنكي بن قسيم الدولة لما كان في صحية مالك القدس فلك بن فلك، وذلك قريب حصن بعرين ؛ وطلع الملك وجماعة معه إلى قلعة بعرين، فحاصرهم الأتابك، ونصب عليهم أربعة عشر منجنيقة، وضايقهم إلى أن صانعة الملك على تسليم حصن بعرين، واستخلص القومص صاحب طرابلس، وجميع الأسرى، وعاد القومص إلى طرابلس، وأقام حتى وثب عليه الإسماعيلية، فولي بعده ريمند، وهو صبي، وحضر الحرب مع الملك العادل محمود بن زنكي على حارم، فكسرهم الملك العادل نور الدين، وقتل منهم مقتلة عظيمة، ومنهم القومص صاحب طرابلس، وذلك في سنة تسع وخمسين وخمسمئة ؛ فلما ملك صلاح الدين الشهيد مدينة دمشق يوم الاثنين تاسع وعشرين شهر ربيع الأول سنة سبعين [ وخمسمئة ] أعتقه وأحسن إليه، وبقي الملك في أولاده إلى هذا الذي هو بها الآن.
هذا هو السبب في ملك الفرنج لها، ويقال : وان كنت ما رأيته مسطورة، أن صاحبها لما طال الحصار عليه سير إلى الخليفة يستنجده، فهو في أشد حالة، وإذا بمركب فيه جماعة، فاعتقد أنه نجدة، ففرح المسلمون، وإذا برسول قد وصل فيه، وهو يقول : « بلغ الخليفة أن عندك جارية تصلح لخدمته، وأنها حسنة الصورة ». فلما سمع المسلمون هذا الحديث فت في أعضادهم، وأيسوا من الفرح، وسلموها. أعادها الله للمسلمين قريبة !
Page 304