197

Rawḍ al-jinān fī sharḥ Irshād al-adhhān

روض الجنان في شرح إرشاد الأذهان

الكوفة وبابل وأما البصرة وما والاها فإنها وإن ناسبت هذه العلامة أيضا لكن ينبغي فيها زيادة الانحراف نحو المغرب وسنحرر ذلك فيما بعد على أبلغ وجه إن شاء الله ومما قلناه يعلم إن ترك تقييد المشرق والمغرب بالاعتدالين أدخل في علامة العراق من تقييدهما لامكان الجمع بينها وبين الثانية بإرادة جانب المشرق المايل عن نقطة الاعتدال نحو الجنوب والجزء من المغرب المائل عن نقطة اعتداله نحو الشمال فتساوى العلامتان كما جمع بين الخبرين السابقين وإنما كان ذلك أولى من حملهما على حالة الاعتدالان ليوافق الثالثة لوجهين أحدهما إن أكثر بلاد العراق منحرفة عن نقطة الجنوب نحو المغرب وإن اختلف الانحراف في الزيادة والنقصان وأما ما سامت منه نقطة الجنوب فهو نادر قليل بل لا يكاد يدخل في مسمى العراق فإنه على طرف حدوده فكان ذكر العلامة المفيدة لأكثر البلاد أولى الثاني إن النص ورد بالعلامة الثانية كما عرفته وما عداها استخرجها الفقهاء من مواضع أخرى فيكون حمل ما ظاهره المخالفة للمنصوص عليه حيث يمكن أولى من حمله على غيره خصوصا وقد يطابق النص والاعتبار الدقيق على تحقق انحراف قبلة العراق إلا ما شذ وما قررناه من تقسيم بلاد العراق إلى ثلاثة أقسام مع موافقته للقواعد المعدة لهذا الباب وجمعه بين ما اختلف من العلامات التي ذكرها الأصحاب قد حكى الشهيد رحمه الله في الذكرى ما يوافقه ونقل عن بعض أجلاء الأصحاب ما يناسبه ويزيد ما ذكرناه عنهما تحقيقا وارتباطا بالقواعد وأما توهم اغتفار التفاوت الحاصل بينها وعدم تأثيره في الجهة ففاسد لما تقدم في تحقيق الجهة من اعتبار يقين الكعبة أو ظنها أو احتمالها وهذا القدر من التفاوت لا يبقى معه شئ منها فإن من كان بالموصل مثلا وكان عارفا مجتهدا في القبلة يقطع بكونه إذا انحرف عن نقطة الجنوب نحو المغرب بنحو ثلث ما بين الجنوب والمغرب الاعتدالين خارجا عن سمت الكعبة وكذا من بأطراف العراق الشرقية كالبصرة إذا استقبل خط الجنوب وهذا أمر لا يخفى على من تدبر قواعد القبلة وما يتوقف عليه من المقدمات ومن طريق النص إذا كان جعل الجدي على الأيمن يوجب مسامتة الكعبة في الكوفة التي هي بلد الراوي ونحوها كيف يوجب مسامتتها إذا كان بين الكتفين لبعد ما بينهما بالنسبة إلى بعد المسافة فإن الانحراف اليسير عن الشئ مع البعد عنه يقتضى انحرافا فاحشا عنه عند محاذاته فإنا إذا أخرجنا خطين من نقطة واحدة لم يزالا يزدادان بعدا كلما ازدادا امتدادا كما لا يخفى وأيضا فلو كان جعله بين الكتفين محصلا للجهة كان الامر بجعله على اليمين لغوا خاليا عن الحكمة والمشهور بين الأصحاب إنه يستحب لهم أي لأهل العراق التياسر قليلا إلى يسار المصلى منهم وربما أوجبه الشيخ في ظاهر كلامه وهو مبنى على إن قبلة البعيد الحرم وهو عن يسار الكعبة أكثر منه عن يمينها والمستند ما رواه المفضل بن عمر قال سألت أبا عبد الله عليه السلام عن التحريف لأصحابنا ذات اليسار عن القبلة وعن السبت فيه فقال إن الحجر الأسود لما أنزله الله سبحانه من الجنة ووضع في موضعه جعل أنصاب الحرم من حيث يلحقه نور الحجر فهي عن يمين الكعبة أربعة أميال وعن يسارها ثمانية أميال فإذا انحرف الانسان ذات اليمين خرج عن حد القبلة لقلة أنصاب الحرم وإذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجا عن حد القبلة وفى مرفوعة إليه عليه السلام إنه قيل له لم صار الرجل ينحرف في الصلاة إلى اليسار فقال لان للكعبة ستة حدود أربعة منها على يسارك واثنان منها على يمينك فمن أجل ذلك وقع التحريف إلى اليسار والروايتان لا تصلحان للدلالة لضعف الأولى وقطع الثانية والحكم المبنى عليه ممنوع لما سبق من أن قبلة البعيد الجهة خصوصا على ما تبين من انحراف قبلة العراق عن نقطة الجنوب فلو اعتبرت بالعلامة الأولى أو الثالثة وتياسر عنها قليلا خرج عن السمت خروجا فاحشا لو تم العمل بتلك العلامات مطلقا وأيضا فإن

Page 198