Rasāʾil al-Sunna waʾl-Shīʿa
رسائل السنة والشيعة
Publisher
دار المنار
Edition
الثانية
Publication Year
١٣٦٦ هـ - ١٩٤٧ م
Publisher Location
القاهرة
أتكون دعوى غلو ومجازفة أم دعوى حق وإنصاف؟
وقد تبين مما ذكرنا أن عليًّا ﵇ تعلم العلم من رسول الله ﷺ زمن الصبا والشبيبة بخلاف عمر ﵁، وأن عمر ابتدأ بالتعلم من رسول الله ﷺ مع علي بعد أن سبقه وتعلم قبله بخمس عشرة سنة على أقل ما روي من عمره يوم بعثته وهو عشر سنين، وأما على ما روي من أن عمره يوم البعثة كان خمس عشرة (١) سنة فيكون قد سبقه بعشرين سنة، فما يقال لهذا التلميذ الذي دخل المدرسة وابتدأ بالتعلم وهو ابن تسع وعشرين سنة، ولم يكن (٢)
معروفًا بحدة الذهن وتوقد
(١) اختلفت الروايات وتعددت في تحديد عمر علي ﵁ وقت إسلامه بناء على الاختلاف في سنة ولادته ﵁، والقول الذي أشار إليه عبد الحسين مذكور عن الحسن البصري كما في المعجم الكبير للطبراني (١/٥٤)، وذكر ابن إسحاق أن ولادته قبل البعثة بعشر سنين، ورجح ابن حجر قوله، وورد عن محمد الباقر ﵀ قولان: الأول: كالذي ذكره بن إسحاق وهو عشر سنين كما المعجم الكبير اللطبراني (١/٥٣) بإسناد حسنٍ إليه، ورجحه ابن حجر، وأما الثاني: فيذكر أنه ولد قبل البعثة بخمس سنين كما في المصدر السابق، والأقرب هو ما اتفق عليه قولٌ لأبي جعفر الباقر ﵀ مع قول ابن إسحاق واختيار الحافظ ابن حجر فيكون مولد علي ﵁ قبل البعثة بعشر سنين.
(٢) قال عبد الحسين في الحاشية: «روى المحدث الجليل الموثق عند إخواننا وهو محمد بن سعد في الطبقات جزء ٣ صفحة ٢٧٣ بإسناده عن أبي هريرة قال: (قدمت على عمر ﵁ من عند أبي موسى بثمانمائة ألف درهم فقال لي: بما قدمت؟ قلت: بثمانمائة ألف درهم، فقال لي: ألم أقل لك: إنك يمانيٌّ أحمق، إنك قدمت بثمانين ألفًا، فقلت: يا أمير المؤمنين إنما قدمت بثمانمائة ألف درهم، فجعل يعجب ويكررها، فقال: ويحك وكم ثمانمائة ألف درهم؟ فعددت مائة ألف ومائة ألف حتى عددت ثمانية)
وروى أيضًا أنه قرأ قوله تعالى: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) (عبس: ٣١) فقال: ما الأب؟ هو التكلف، فما عليك أن لا تدري ما الأب؟ وروى أحمد في مسنده أن عمر ﵁ لم يعرف حكم الشك في الصلاة صفحة ١٩٠ وروي فيه أيضًا أنه أمر برجم مجنونة زنت فانتزعها منه علي ﵇ وأخبر عمر بقول رسول الله ﷺ: (رُفع القلم عن الصبي حتى يكبر، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المبتلى حتى يعقل) فرجع إلى قوله، وروى أبو الفرج في الجزء الثاني من كتابه (الأغاني صفحة ٥٣) أن الزبرقان بن بدر شكا إلى عمر ﵁ الحطيئة الشاعر حين هجاه فقال: ما قال؟ فأنشده:
دع المكارم لا تنهض لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي
فقال: ما أراه هجاء، فقال: بل هجاني يا أمير المؤمنين، فسأل حسان فقال: بل سلح عليه» . اهـ
أقول: سيأتي الجواب على ما نقله عبد الحسين عن طبقات ابن سعد عن أبي هريرة ﵁ في موضع لاحق، وأما الأثر الوارد حول قوله تعالى ﴿وفاكهة وأبا﴾ فقد ذكره ابن كثير ٨/٣٤٨ بسند الطبري ثم قال: «فهو إسناد صحيح، وقد رواه غير واحد عن أنس، به، وهو محمول على أنه أراد أن يعرف شكله وجنسه وعينه، وإلا فهو وكل من قرأ الآية يعلم أنه من نبات الأرض، لقوله ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾» .
وذكر الطاهر ابن عاشور ﵀ في التحرير والتنوير ٣٠ / ١٣٨ إن ذلك القول من عمر ﵁ قد يرجع لأحد سببين:
١ - إما لأن هذا اللفظ كان قد تنوسي من استعمالهم فأحياه القرآن لرعاية الفاصلة فإن الكلمة قد تشتهر في بعض القبائل أو في بعض الأزمان وتُنسى في بعضها مثل اسم السِّكين عندَ الأوس والخزرج، فقد قال أنس بن مالك: (ما كُنَّا نَقول إلا المُدْية حتى سمعت قول رسول الله ﷺ يذكر أن سليمان ﵇ قال: «ائيتوني بالسكين أقْسِمْ الطفْلَ بينهما نصفين»، وكما في كلمة ﴿فاطر﴾ وعدم علم ابن عباس ﵄ حتى سمع استعمال أعرابي لها في سياق أوضح معناها.
٢ - وإما لأن كلمة الأبّ تطلق على أشياء كثيرة منها النبت الذي ترعاه الأنعام، ومنها التبن، ومنها يابس الفاكهة، فكان إمساك أبي بكر وعمر عن بيان معناه لعدم الجزم بما أراد الله منه على التعيين، وهل الأبّ مما يرجع إلى قوله ﴿متاعًا لكم﴾ أو إلى قوله ﴿ولأنعامكم﴾ في جمْع ما قُسِّم قبله» . اهـ بتصرف
وأما الأثران اللذان يليان هذا الأثر وهما: رجم المجنونة التي زنت، وأثر هجاء الحطيئة للزبرقان، فإنهما لا يثبتان سندًا.
2 / 152