Qurrat ʿAyn al-Muḥtāj fī Sharḥ Muqaddimat Ṣaḥīḥ Muslim b. al-Ḥajjāj
قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج
Publisher
دار ابن الجوزي
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٢٤ هـ
ملخّصها أن ضبط القليل من الأحاديث، وإتقانه أسهل من معانات الكثير منه، وخصوصًا عند من لا قدرة له على تمييز المقبول من المرود إلا بتقليد غيره. والله تعالى أعلم.
الشرح التفصيليّ لهذه الفقرة:
(وَظَنَنْتُ) بتاء المتكلّم، وإنما عبّر بالظنّ دون اليقين؛ لأنّ حصول النفع غير محقّق؛ لاحتمال أن يكون هناك مانع من القبول، فمن واجب العبد أن يطمع في حصول الثواب له على عمله الصالح؛ ولا يقطع به، بل يكون بين الخوف والرجاء، يخاف أن تردّ أعماله بسبب من الأسباب، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾، ويرجو رحمة ربّه له بقبولها، لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾. ولقد أثنى الله تعالى في كتابه الكريم على الذين يعملون، ويخافون، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾. وقد أخرج أحمد، والترمذيّ، واللفظ له، عن عائشة ﵂ أنَّها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قالت: أهم الذين يشربون الخمر، ويسرقون؟ قال ﷺ: "لا، يا بنت الصدّيق، ولكنهم الذين يصومون، ويصلّون، وبتصدّقون، وهم يخافون أن لا تُقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخير، وهم لها سابقون". حديث صحيح.
وأيضًا الظنّ سبب لحصول المقصود، لحديث أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "يقول الله تعالى: أنا عند ظنّ عبدي بي ... " الحديث متّفق عليه.
(حِينَ سَأَلْتَنِي) متعلّق بما قبله (تَجَشُّمَ ذَلِكَ) بالنصب على المفعوليّة، أي تكلّفه، والتزامَ مشقّته. يقال: جَشِمْتُ الأمرَ، من باب تَعِبَا جَشْمًا، ساكنَ الشين، وجَشَامَةً: تكلّفتُهُ على مشقّة، فأنا جاشمٌ، وجَشُومٌ مبالغةٌ، ويتعدّى بالهمزة، والتضعيف، فيقال: أجشمته الأمرَ، وجَشَّمْتُهُ، فتَجَشَّمَ. قاله الفيّوميّ. واسم الإشارة راجع إلى المؤلّف المسؤول (أَنْ لَوْ عُزِمَ لِي عَلَيْهِ) ببناء الفعل للمفعول. قال المازريّ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: ولا يُظنّ بمسلم أراد لو عزم الله لي عليه؛ لأنّ إرادة الله ﷿ لا تُسمّى عزمًا، ولعلّه أراد لو سُهِّلَ لي سبيلُ العزم، أو خلق فيّ قدرةً عليه انتهى.
وقال القاضي عياض رَحِمَهُ اللهُ تعالى: قد جاء هذا اللفظ في "صحيح مسلم" من كلام أمّ سلمة ﵂ في "كتاب الجنائز"، قالتْ "ثُمَّ عَزَمَ الله لي، فقلتها". وأصل العزم القوّة، ويكون بمعنى الصبر، وتوطين النفس، وحملِهَا على الشيء، والمعنى متقاربٌ، ومنه
1 / 256