Qurrat ʿAyn al-Muḥtāj fī Sharḥ Muqaddimat Ṣaḥīḥ Muslim b. al-Ḥajjāj
قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج
Publisher
دار ابن الجوزي
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٢٤ هـ
سبق ذكر الأقسام الثمانية المذكورة نظمًا، فراجعه تستفد، وبالله تعالى التوفيق.
(بِالأَسَانِيدِ) جمع إسناد -بالكسر- وهو في الأصل ذكر طريق الحديث، لكن المراد هنا نفس الطريق، وإنما جمعه، وإن كان المصدر لا يُجمع، نظرًا إلى أنواعه، فإنه قد يكون عاليًا، وقد يكون نازلًا، وتارة يكون مُتّصلًا بالسماع، وتارة بالقراءة، وتارة بهما، وغير ذلك.
(الَّتِي بِهَا نُقِلَتْ) بالبناء للمفعول، أي نقل أهل الحديث تلك الأخبار بتلك الأسانيد (وَتَدَاوَلَهَا أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ) أي تناقلوها، من المداولة، يقال: تداول القوم الشيء تدوُلًا، وهو حصوله في يد هذا تارةً، وفي يد هذا تارةً أخرى، والاسم الدَّوْلة -بفتح الدّال، وضمّها، وجمع المفتوح دِوَلٌ -بالكسر- مثلُ قَصْعَة، وقِصَعٍ، وجمع المضموم دُوَلٌ، مثل غُرْفَة وغُرَف. ومنهم من يقول: الدُّولَ -بالضمّ في المالَ، وبالفتح في الحرب. قاله في "المصباح".
وأشار بهذه الجملة إلى أن المطلوب أن تكون الأسانيد مشهورة بين أهل الحديث، واحترز بذلك عن الأسانيد الغريبة، فإن أغلبها لا تكون إلا ضعافًا، فلا تصلح لجمع الأخبار الصحيحة بها.
وقد ذمّ أهل العلم الغريب من الحديث ذمًّا شديدًا، وسنذكر ما نُقل عنهم فيه في المسألة الثامنة، إن شاء الله تعالى. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
مسائل تتعلّق بما تقدّم من كلام المصنّف رحمه الله تعالى:
المسألة الأولى: في الكلام على إتيان المصنّف رحمه الله تعالى في خطبته بـ "أمّا بعد":
اعلم: أنه إنما أتى بها رحمه الله تعالى في أول كلامه؛ اتباعًا للسنّة، فقد أخرج الطبرانيّ: أنّ النبيّ ﷺ كان إذا خطب قال: "أما بعد" (١).
وقد عقد الإمام البخاريّ رحمه الله تعالى في "كتاب الجمعة" من "صحيحه" بابًا فقال: "باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد"، فأورد حديث أسماء بنت أبي بكر ﵃ في الكسوف بطوله، وفيه: فخطب الناس، وحمد الله، بما هو أهله، ثم قال ﷺ: "أما بعد". وحديث عمرو بن تَغْلِب ﵁ في قسمة النبيّ ﷺ الفيء، وفيه: فحمد الله، ثم أثنى عليه، ثم قال ﷺ: "أما بعد". وحديث عائشة ﵂ صلاة النبيّ ﷺ ليلا في المسجد، فصلّى رجال بصلاته ... الحديث، وفيه: فتشهّد، ثم قال ﷺ: "أما بعد". وحديث أبي حُميد الساعديّ ﵁. أن رسول الله ﷺ قام عشيّة بعد الصلاة، فتشهّد،
(١) في "المعجم الكبير" ١٠/ ١٩٨. وقال الحافظ الهيثميّ: في "المجمع" ٢/ ١٨٨: رجاله موثّقون.
1 / 240