212

Qurrat ʿAyn al-Muḥtāj fī Sharḥ Muqaddimat Ṣaḥīḥ Muslim b. al-Ḥajjāj

قرة عين المحتاج في شرح مقدمة صحيح مسلم بن الحجاج

Publisher

دار ابن الجوزي

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٤ هـ

العلى، وقد جُمِع لفظ الحمد جمع قلّة في قول الشاعر [من الطويل]:
وَأَبْلَجُ مَحْمُودِ الثَّنَاءِ خَصَصْتُهُ ... بِأَفْضَلِ أَقْوَالِي وَأَفْضلِ أَحْمُدِي
فالحمد نقيض الذّمّ تقول: حَمِدت الرجل أحمده حمدًا، فهو حَميد، ومحمودٌ، والتحميد أبلغ من الحمد، والحمد أعمّ من الشكر، والْمُحَمَّدُ الذي كثرت خصاله المحمودة. قال الشاعر:
إِلَى الْمَاجِدِ الْقَرْمِ ... الْجَوَادِ الْمُحَمَّدِ
وبذلك سُمّي رسول الله ﷺ، قال حسّان [من الطويل]:
فَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وَهَذَا مُحَمَّدُ
والْمَحْمَدَة خلاف الْمذَمّة، وأحمدَ الرجلُ: صار أمره إلى الحمد، وأحمدته: وجدته محمودًا، تقول: أتيت موضع كذا، فأحمدته، أي صادفته محمودًا موافقًا، وذلك إذا رضيت سكناه، أو مرعاه، ورجلٌ حُمَدة -مثل هُمَزة-: يكثر حمد الأشياء، ويقول فيها أكثر مما فيها، وحَمَدَةُ النارِ: صوت الالتهابها. انتهى كلام القرطبيّ. والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
المسألة الثالثة: في اختلاف العلماء، هل الحمد والشكر بمعنًى واحد، أم لا؟
ذهب ابن جرير الطبريّ، وأبو العبّاس المبرّد إلى أنّ الحمد والشكر بمعنى واحد. وحكاه أبو عبد الرحمن السُّلَميّ، عن جعفر الصادق، وابنِ عطاء، قال ابن عطاء: معناه الشكر لله، إذ كان منه الامتنان على تعليمنا إيّاه حتى حمدناه، واستدلّ الطبريّ على أنهما بمعنى بصحّة قولك: الحمد للَّه شُكرًا. قال ابن عطيّة: وهو في الحقيقة دليلٌ على خلاف ما ذهب إليه؛ لأن قولك: شُكرًا، إنما خصّصت به الحمد؛ لأنه على نعمة من النعم.
وقال بعض العلماء: إن الشكر أعمّ من الحمد؛ لأنه باللسان، وبالجوارح، وبالقلب. والحمد إنما يكون باللسان خاصّة.
وقيل: الحمد أعمّ؛ لأن فيه معنى الشكر، ومعنى المدح، وهو أعمّ من الشكر؛ لأن الحمد يوضع موضع الشكر، ولا يوضع الشكر موضع الحمد. وروي عن ابن عبّاس ﵃ أنه قال: "الحمد للَّه" كلمة كلّ شاكر، وإن آدم ﵇ قال حين عطس: "الحمد للَّه". وقال الله تعالى لنوح ﵇: ﴿فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، وقال إبراهيم ﵇: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾، وقال في قصّة داود، وسليمان: ﴿وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ

1 / 213